فهرس الكتاب
إن الواو تفيد الجمع مطلقا، ولا تفيد الترتيب. فعند قولنا:"قام زيد وعمرو"يحتمل ثلاثة معان: أن يحصل القيام من كليهما في زمان واحد، وأن يكون حصل من زيد أولا، وأن يكون حصل من عمرو أولا. وهذه ثلاثة احتمالات عقلية لا دليل في الواو على شيء منها. ( [168] )
وهذا مذهب نحاة أهل البصرة، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والمزني، والزهري، وداود بن علي، وعطاء، والحسن، وهو مذهب سيبويه، والمقتضب، والمفصل، والمغني، والبرهان. ( [169] )
قال أبو حنيفة إن الواو لا توجب الترتيب، فإذا قلنا بوجوب الترتيب صار ذلك زيادة على النص، وذلك غير جائز. ( [170] )
ودليلهم قوله تعالى"يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين" ( [171] ) مع أن الركوع قبل السجود إلا أن الآية قدمت السجود على الركوع، وهذا دليل أن الواو لمطلق الجمع ولا تفيد الترتيب ( [172] )
وفي ردهم على قول الشافعي قالوا: إن الفاء أفادت تعقيب القيام وجملة الوضوء للأعضاء، وليس تعقيب القيام وغسل الوجه. ( [173] )
كما أنهم قالوا: لو قلت: ادخل السوق فاشتر خبزا ولحما. كان التعقيب بين الدخول والشراء بغض النظر ماذا تشتري أولا؛ لأن بينهما حرف الواو، وحرف الواو يفيد الجمع مطلقا. ( [174] )
إن أهل البصرة ذهبوا إلى أن الترتيب يقع بحكم اللفظ دون قصد له في المعنى. بمعنى أن المتكلم يقدم في كلامه الذي هو به أعنى وأهم وليس لأنه الأول في الترتيب. بينما أهل الكوفة يلزمون الترتيب لفظا ومعنى. ( [175] )
والذي يترجّح لدينا أنّ الترتيب في فرائض الوضوء واجب بأدلّة من اللغة ومن خارج اللغة؛ فمن اللغة أنّ الواو ,إنْ كانت لا تدلّ على الترتيب قصدًا فإنها لا تنافيه وقد تدل عليه حكمًا، يضاف إلى ذلك أنّ من سنن العرب في كلامها ألا تفصل بين المتعاطفات المتجانسة بأجنبي، فلمّا خالفت الآية الكريمة ما عليه سنن العرب دلّ ذلك على أنّ هذه المخالفة جاءت لغاية وهي إفادة الترتيب، ولو لم يكن الترتيب واجبا لذكرت الآية المأمور بغسلها ثم المأمور بسحه وهو الرأس. [176] ومن خارج اللغة ما ورد من فعل الرسول صلى الله عليه وسلّم.