الصفحة 24 من 38

ومن لطائف وجود ممسوح بين مغسولين ما وجد فيه المفسرون تنبيهًا للاقتصاد في صب الماء، لأن الأرجل مظنة الإسراف لما تحمله من أقذار وأدران. [177]

وقرئت أرجلكم بالرفع شذوذًا، وحتى هذه لم يدعها اللغويون، بل قالوا: وقدِّر وأرجلكم مغسولة، على الابتداء، ورويت هذه القراءة عن نافع. [178]

من هذا التوجيه للآية تبين ما للقرائن الخارجية من تدخل كبير في توجيه الحكم وما تبعه بعدها من توجيه إعرابي متوافق معه، فاللغة لا تقف وحدها لإظهار الأحكام في بعض المواضع في النصوص القرآنية، ولا يعني ذلك أن يغفل دورها في ذلك، ولكنها قد تقوي وجها على آخر من الأحكام والأدلة في بعض المواضع. أما هنا فإنا نرى أن حكم الغسل الذي ذهب إليه الجمهور كان مستندا إلى ما هو خارج النص القرآني أكثر منه على اللغة، وكذلك حكم الإمامية بوجوب المسح، فتوجيه قراءة النصب عند الجمهور نجدها أقوى من توجيهها عند الإمامية لما ذهب إليه العكبري من أن العطف على الظاهر أقوى منه على المحل، فالعطف على الظاهر أقرب، وما استنتجه بعضهم من هذا الفصل بين المغسولات بممسوح هو لحكمة، وهو الترتيب في الوضوء، وحتى الترتيب الذي احتجوا به لتسويغ الفصل بين المعطوفات بأجنبي ما كان لهم أن يحتجوا به لولا وروده في ما هو خارجي ممثلا في السنة، وركن الترتيب هو الآخر قد تدعم حكم وجوبه إلى جانب السنة وقواه هذا الفصل اللغوي، ونرى ما دفع الإمامية لهذا التوجيه ما هو خارجي أيضا، على الرغم من أنهم أخذوا على القائلين بوجوب الغسل أنهم يوجهون على ما هو خارجي ونراهم يفعلون هم كذلك أيضا، فحجتهم اللغوية في هذا التوجيه هي أضعف من الفريق الآخر. ولكن في المقابل حجة الإمامية هي الأكثر ظهورا في العطف المباشر على الظاهر في توجيه قراءة الخفض، ونرى أن ما دفع الجمهور إلى التوجيهات الكثيرة التي تتفاوت في قوتها هو لاستنادهم إلى ما هو خارجي، ولو أن الخارج معدوم لما وجدنا هذا الإجماع. فاللغة في أمور اتخاذ الأحكام الشرعية ضرورية ولكن ليس بمعزل عن مساند خارجي من مصادر التشريع الأخرى.

الحمد لله وكفى، و سلام على عباده الذين اصطفى، وبعد، فقد تبيّن جليّا من خلال مناقشة جهود المفسرين في الأحكام الموجودة في الآية موضوع الدراسة أن اختلاف النحويين في تقرير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت