إلى قوله:
وكَوْنِهِ يُلْجى إليهِ الضَّرَرُ ... إنْ كانَ لَمْ يَشْتَدّ فِيهِ الخَوَرُ
وثَبَتَ العَزْوُ وقَدْ تَحَقَّقَا ... ضُرًّا من الضُّرِّ بِهِ تَعَلَّقَا.
وهذا طريق لاحب للفقهاء لا يمترى فيه من عرف مقاصد الشريعة وذاق طعم حكمها ووزن الأحكام بميزانها الذي لا يحيف.
وقد يعتبر البعض أن هذا من باب التساهل في الفتوى المنهي عنه وليس الأمر كذلك فمعنى التساهل عند ابن الصلاح: هو أن لا يتثبت"الفقيه"ويُسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، وربما يحمله على ذلك توهمه أن الإسراع براعة والإبطاء عجز ومنطقة وذلك جهل. ولأن يُبطئ ولا يخطئ أكمل به من أن يعجل فيضل ويُضل، وقد يكون تساهله وانحلاله بأن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحظورة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلبًا للترخيص على من يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره ومن فعل ذلك فقد هان عليه دينه [21] .
وبذلك يتضح أن التساهل غير التسهيل.
وقاعدة النظر في المئالات إنما هي في حقيقتها قاعدة الموازنة بين مصلحة أولى بالاعتبار أوبين مصلحة ومفسدة، إلا أنها في الغالب تعنى أن المصلحة أو المفسدة المرجحة متوقعة.
وهذا التوازن أساس من أسس الفتوى والاجتهاد لا يجوز للفقيه أن يغفل عنه أو يتغافل فالمصالح ليست على وزان واحد كما أن المفاسد ليست على وزان واحد وبالتالي درجة الحكم بحسب درجة المصلحة اكادة في الواجبات أو درجة المفسدة فقد يترك الواجب للمحافظة على الواجب الآكد وإرتكاب المفسدة الصغرى لتفادي المفسدة الكبرى.
ولعل قصة الخضر وموسى عليهما السلام تقدم أروع مثال في هذا السياق من قتل الغلام وخرق السفينة تفاديًا لمفاسد متوقعة هي الطغيان والكفر الذي سيحمل عليه والده {فخشينا أن يرهقهما ظغيانًا وكفرا} وخرق الخضر السفينة خشية أن يغصبها الملك {فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا}
ومن هذا المنطلق في وزن المصالح والمفاسد ومراعاة أنواع المشتقات ودرجة الواجبات يقوم ميزان الاستطاعة بالقسط فرمي الجمار ليس كطواف الإفاضة والمبيت بمنى ليس كالوقوف بعرفة فالمنجبر بالدم ليس كغيره وما اختلف فيه العلماء ليس كما اتفقوا عليه وما دليله قول صريح ليس كما دليله فعل محتمل وما دليله فعل ليس كما دليله ترك.
والاستطاعة تختلف باختلاف الزمان والمكان إذ أن الاستطاعة من الكلي المشكك الذي يختلف في آحاده قوة وضعفًا مقابل المشقة التي هي متفاوتة.
فهناك نوازل جديدة بالكلية كالصلاة بالطائرة لم يكن لها نظير لتقاس عليه، وإنما تؤخذ من وجوب ا لعمل بقدر الطاقة؛ ولهذا اصلوا لقاعدة الميسور لا يسقط بسقوط المعسور.