والآن لا يُرى في القاهرة غير عدد قليل من البيوت القديمة التي أنشئت على طراز العمارة في عصر الخلفاء والتي تنقلب إلى خرائب، وأذكر منها بيت مدير المساجد العام، ويرى أغنياؤها في الوقت الحاضر إنشاء بيوتهم على الطراز الأوربي لما يجدون فيها من الهيف! وتمتاز البيوت القديمة في القاهرة من بيوت كثير من المدن الشرقية بأبوابها المزخرفة إلى الغاية.
الأسواق من أهم أجزاء المدن في الشرق، فيرى في كل مدينة مهمة كثير من الأبنية التي يتألف من مجموعها حي للتجارة وحدها يسمى السوق، وتحتوي السوق على أروقة طويلة مغطاة بألواح أو حصر، وعلى دكاكين متجمعة على حسب أنواع السلع، ويضاف نوع السلع التي تباع في الرواق إلى كلمة السوق فتُعَين بذلك فيقال، مثلًا، سوق الأسلحة وسوق الأزياء وسوق الأبازير ... إلخ، وإذا عَدَوْت كُبريات المدن لم تجد غير السوق مكانًا للبيع ولو كانت السلع مما يستهلك يوميًا.
ولا شبه بين الدكاكين الشرقية المظلمة والحوانيت الأوربية، ولا عهد للدكاكين الشرقية بفن العرض على الخصوص، وتبدو هذه الدكاكين مُجوفات مظلمة يترجح عرضها بين مترين وثلاثة أمتار ولا تزيد على هذا طولًا، وتكون السلع مُنضَّدةً فيها، ويجلس البائع أمامها، وتحتوي على ثروات واسعة أحيانًا مع حقارة منظرها.
والسوق مَلْقَى الناس المفضل في الشرق، وهي المكان الوحيد الذي يكون فيه شيء من النسيم في الغالب، والنساء يقصدنه ليمكثن فيه مدة ساعات.
والرجال وحدهم هم الذين يقومون في الشرق بإدارة شؤون دكاكين الأسواق، ومنها دكاكين النصارى.
وينتظر التاجر المشتري أمام دكانه متزنًا صابرًا، ولا يزعج أحدًا من المارين ما لم يكن التاجر يهوديًا، فإذا كان التاجر يهوديًا ألحف على المشتري بدناءةٍ، فلم يستطع أن يتخلص منه إلا بعد عناء كبير.