وتنطوي وصايا مدرسة ساليرم على نصائحَ غاليةٍ في علم الصحة، ولا أحدَ يجهل أن هذه المدرسة، التي عُدَّت أولَ مدرسةٍ في أوربة زمنًا طويلًا، مدينةٌ للعرب بشهرتها، وذلك أن النورمان، لمَّا استولوا على صقلية وعلى جزء من إيطالية في أواسط القرن الحادي عشر من الميلاد، أحاطوا مدرسة الطب التي أنشأها العرب بما أحاطوا به المعاهدَ الإسلامية من الاعتناء الكبير، وأن قسطنطين الإفريقيَّ، الذي كان من عرب قرطاجة، عُيِّن رئيسًا لها، وأنه ترجم أهمَّ كتب العرب الطبية إلى اللغة اللاتينية، فاقتُطِفَت من هذه الكتب وصايا مدرسة ساليرم التي ظَلَّت سببَ شهرتها الفائقة زمنًا غير قصير.
وكان العرب يعتمدون كثيرًا على علم الصحة في معالجة الأمراض، وعلى الوسائل الطبيعية، وليس غيرَ ذلك أمرُ الطبِّ القائم على المداواة الطبيعية التي استقرَّ عندها العلم الحديث كما يظهر. ويلوح لي، على الأرجح، أن الطب العربي في القرن العاشر من الميلاد، لم يؤدِّ إلى وفياتٍ أكثر مما يقع في هذه الأيام.
إن أهم تقدم للعرب في عالم الطب هو ما كان في الجراحة ووصف الأمراض وأنواع الأدوية والصيدلة، وظهرت للعرب عدةُ طرق يعود الطب الحديث إلى بعضها بعد إهمالها قرونًا كثيرة كاستعمال الماء البارد في معالجة حُمَّى التيفوئيد.
والطبُّ مَدِين للعرب بعقاقيرَ كثيرةٍ كالسَّلِيخة والسنا المَكِّيِّ والرَّاوَنْد والتمر الهندي وجوز القَيء والقِرمِز والكافور والكحول ... وما إلى ذلك، وهو مدين لهم بفن الصيدلة، وبكثير من المستحضرات التي لا تزال تُستعمل كالأشربة واللُّعُوق واللزقات والمراهم والدهان والمياه المقطرة ... إلخ، والطب مدين لهم، كذلك، بطرق طريفة في المداواة عاد إليها على أنها اكتشافاتٌ حديثةٌ بعد أن نُسِيت زمنًا طويلًا، ومنها طريقة امتصاص النبات بعضَ الأدوية كما صنع ابنُ زُهْر الذي كان يعالج المرضى المصابين بالقبض بإطعامهم عنبًا أشُرِبَ من بعض المُسْهِلَات.
وعلم الجراحة مدين للعرب، أيضا، بكثير من مبتكراته الأساسية، وظلت كتبهم فيه مرجعًا للدراسة في كليات الطبِّ إلى وقت قريب جدًا، ومن ذلك أن العرب كانوا يَعرِفون في القرن الحادي عشر من الميلاد معالجةَ غِشاوة العين بخفض العدسة أو إخراجها، وكانوا يعرفون عملية تفتيت الحَصاة التي وصفها أبو القاسم بوضوح، وكانوا يعرفون صبَّ الماء البارد لقطع النزف، وكانوا يعرفون الكاويات والفتائل إلخ،