الصفحة 174 من 1182

فهذه الدلالة هي الصراط المستقيم الذي دعا الله تعالى الناس منه إلى معرفة وجوده ونبههم على ذلك بما جعل في فطرهم من إدراك هذا المعنى وإلى هذه الفطرة الأولى المغروزة في طباع البشر الإشارة بقوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم إلى قوله تعالى بلى شهدنا ولهذا قد يجب على من كان وكده طاعة الله في الإيمان به وامتثال ما جاء به رسله أن يسلك هذه الطريقة حتى يكون من العلماء الذين يشهدون لله بالربوبية مع شهادته لنفسه وشهادة ملائكته له كما قال تبارك وتعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ودلالة الموجودات من هاتين الجهتين هو التسبيح المشار إليه بقوله تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم

فقد بان من هذا أن الأدلة على وجود الصانع تعالى منحصرة في هذين الجنسين دلالة العناية ودلالة الاختراع وأن هاتين الطريقتين هما بأعيانهما طريقة الخواص وأعني بالخواص العلماء وإنما الاختلاف بين المعرفتين في التفصيل أعني أن الجمهور يقتصرون في معرفة العناية والاختراع على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس وأما العلماء فيزيدون إلى ما يذكرون من هذه الأشياء بالحس ما يدركون بالبرهان أعني من العناية والاختراع حتى لقد قال بعض العلماء إن الذي أدرك العلماء من معرفة منافع أعضاء الإنسان والحيوان هو قريب ألف منفعة وإذا كان هذا هكذا فهذه الطريقة هي الطريقة الشرعية والطبيعية وهي التي جاءت بها الرسل ونزلت بها الكتب والعلماء ليسوا يفضلون الجمهور في هذين الاستدلالين من قبل الكثرة فقط بل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت