الصفحة 9 من 1182

ومما يوضح الأمر في ذلك أن النفاة ليس لهم دليل واحد اتفقوا على مقدماته بل كان كل طائفة تقدح في دليل الأخرى فالفلاسفة تقدح في دليل المعتزلة على نفي الصفات بل على نفي الجسم والتحيز ونحو ذلك لأن دليل المعتزلة مبني على أن القديم لا يكون محلا للصفات والحركات فلا يكون جسما ولا متحيزا لأن الصفات أعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات وأن الجسم لا يخلو منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث بل الأشعري نفسه ذكر في رسالته إلى أهل الثغر أن هذا الدليل الذي استدلوا به على حدوث العالم وهو الاستدلال على حدوث الأجسام بحدوث أعراضها هو دليل محرم في شرائع الأنبياء لم يستدل به أحد من الرسل وأتباعهم وذكر في مصنف له آخر بيان عجز المعتزلة عن إقامة الدليل على نفي أنه جسم وأبو حامد الغزالي وغيره من أئمة النظر بينوا فساد طريق الفلاسفة التي نفوا بها الصفات وبينوا عجزهم عن إقامة دليل على نفي أنه جسم بل وعجزهم عن إقامة دليل على التوحيد وأنه لا يمكن نفي الجسم إلا بالطريق الأول الذي هو طريق المعتزلة الذي ذكر فيه الأشعري ما ذكر

فإذا كان كل من أذكياء النظار وفضلائهم يقدح في مقدمات دليل الفريق الآخر الذي يزعم أنه بنى عليه النفي كان في هذا دليل على أن تلك المقدمات ليست ضرورية إذ الضروريات لا يمكن القدح فيها وإن قيل إن هؤلاء قدحوا في هذه المقدمات قيل فإذا جوزتم على أئمة النفاة أن يقدحوا بالباطل في المقدمات الضرورية فا التي يستدل بها أهل الإثبات أولى وأحرى

وقد بسط في غير هذا الموضع الكلام على أدلة النفاة ومقدمات تلك الأدلة على وجه التفصيل بحيث يبين لكل ذي عقل خروج أصحابها عن سواء السبيل وأنهم قوم سفسطوا في العقليات وقرمطوا في السمعيات ما ليس معهم على نفيهم لا عقل ولا سمع ولا رأي سديد ولا شرع بل معهم شبهات يظنها من لم يتأملها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت