لا كون الوهم والخيال لا يقبل جنس ذلك ولكن لأجل ما فيه من العظمة التي لم يعتد تصور مثلها
ومن هذا الباب عجز الخلق عن رؤية الرب في الدنيا لامتناع رؤيه لعجزهم في هذه الحياة فأما أن يكون بنو آدم ينكرون بوهمهم وخيالهم في جسم مخلوق أن يكون مخالفا لغيره وأنه يمتنع تماثلهما فليس الأمر كذلك فكيف ينكرون بوهمهم وخيالهم أن يكون الخالق غير مماثل للمخلوق مع كون الوهم والخيال لا يتصور موجودا إلا جسما أو قائما بجسم
الوجه الثالث والسبعون أن الأجسام بينها قدر مشترك وهو جنس المقدار كما يقولون ما يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه وبينها قدر مميز وهو حقيقة كل واحد وخصوص ذاته التي امتاز بها عن غيره كما يعلم أن الجبل والبحر مشتركان في أصل القدر مع العلم بأن حقيقة الحجر ليست حقيقة الماء وإذا كان كذلك فالحس لم يدرك مقدارا مجردا ولا صورة مجردة ولم يحس قط إلا جسما مهيئا له قدر يخصه وصفة تخصه والخيال إذا تخيل المحسوسات وهو مع هذا يمكنه تجريد المقدار عن الصفة فيشكل في نفسه قدرا معينا أو مطلقا غير مختص بصفة من الصفات وهو تقدير الأبعاد في النفس وإذا وصف له الملك فإنه يتخيل صورة مطلقة وأن لها وجها ويدا تناسبها في غير أن يتخيل حقيقتها فإن تخيل نسبة الصفة المخصوصة إلى الموصوف المخصوص أقرب إلى ما أحسه من تخيل قدر مطلق والتخيل يتبع الحس فكلما كان أقرب إلى الحس كان تخيله أيسر عليه
وهذا ونحوه ما يبين أن تصوير الخيال لما حكاه عن منازعيه من أيسر الأمور بل لو قال إن التخيل لا يتصور إلا ما يكون هكذا لا يتصور