فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 955

مصالح العباد قد تتفق وقد تختلف فيجوز أن يكون الشىء مصلحة في زمان النبى الأول دون الثانى ويجوز أن يكون مصلحة في زمان الثانى دون الأول ويجوز أن يكون مصلحة في زمان الأول والثانى وإذا جاز هذا فيجوز أن تختلف الشرائع وتتفق فإن قيل إذا جاء الثانى بمثل ما جاء به الأول لم يكن لبعثه وإظهار المعجزة عليه فائدة لأن الشريعة معلومة من قبل قلنا الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وعلى أن فيه فوائد كثيرة منها أنهما وأن اتفقا في بعض الأحكام فيجوز أن يختلفا في بعضها ومنها أنه يجوز أن يكون الأول مبعوثا إلى قومه والثانى إلى غيرهم ومنها أن يندر من شريعة الأول فلا يعلم إلا من جهة الثانى ومنها أن يحدث في الأول بدع فيزيلها الثانى فيعلم أن الأمرين جائزان.

ثم اختلف أصحابنا وغيرهم هل تعبده لله تعالى أعنى نبينا صلى الله عليه وسلم باتباعها أعنى شريعة من قبلنا أم كان منهيا عن اتباعها على ثلاثة مذاهب.

أحدها: أنه لم يكن متعبدا باتباعها بل كان منهيا عنها وقد ذهب إلى هذا جماعة من أصحابنا وأكثر المتكلمين وطائفة من أصحاب أبى حنيفة.

والمذهب الثانى: أنه صلى الله عليه وسلم كان متعبدا باتباعها إلا ما نسخ منها وإلى هذا مال أكثر أصحابنا وكثير من أصحاب أبى حنيفة وطائفة من المتكلمين.

والمذهب الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم لم يتعبد فيها بأمر ولا نهى وقال بعض الفقهاء كان متعبدا بشريعة إبراهيم عليه السلام على الخصوص دون غيره1 وهو قول شاذ والمعروف ما قدمنا من قبل والمذهب الصحيح هو الأول وإنه كان المذهب الثانى قد نصره كثير من أصحابنا وقد أومىء إليه الشافعى في بعض كتبه وقيل أنه بنى عليه أصلا من أصوله في كتاب الأطعمة غير أنا نقول أن العقل لا يحل اتباع شريعة من قبلنا غير أنه قد ثبت شرعا أنا غير متعبدين بشىء من أحكام الشرائع المتقدمة فأما وجه قول من قال إنا تعبدنا بذلك قوله تعالى: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [آل عمران: 95] فهذا نص أن هذه الشريعة ملة إبراهيم ونحن نعلم أنها لم تجعل الملة في الحال فثبت أنها ملة له على معنى أنها كانت ملة له فبقيت حقا لذلك وصارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويدل عليه.

1 انظر نهاية السول 3/47 انظر البرهان 1/503 وانظر المحصول 1/518 انظر الإبهاج في شرح المنهاج 2/302 شرح المنار 251 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 3/97, 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت