فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 234

وقد جاء قوله تعالى في سورة الإسراء: «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ» بتقديم رزق الأبناء على الآباء، لأن الآباء في تلك الحال ليسوا في حال ضيق وفقر، وإنما هم على شعور الخوف من الفقر مستقبلا، فهم يقتلون أولادهم في تلك الحال لا لفقر وقع، وإنما لخشية الفقر المتوقّع، الذي قد يكون وجود الأبناء سببا في التعجيل به- فجاء قوله تعالى: «نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ» ليدفع هذا الشعور، وليقيم مكانه شعورا مضادا له، وهو أن الأبناء لهم رزقهم عند الله، وأن هذا الرزق مقدم على رزق الآباء، وأن قتلهم حينئذ يكون عدوانا عليهم، وحبسا لهذا الرزق لذى سيرزقهم الله إياه .. [1]

ج = السمع والطاعة حق وإن ارتكب الأمير بعض الأخطاء الشرعية، تطيعه في طاعة الله، ولا تتابعه في خطئه إن أخطأ، والمقصد من هذا: أن ارتكاب الأمير لبعض الأخطاء ليس مبررا للخروج عليه والسعي في خلعه عن إمرته، فكل ابن آدم خطاء، بل الصواب أن تطيعه في طاعة الله، ولا تطيعه في معصية الله تعالى، وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر.

وقد وقع شيء من هذا من الأمراء على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ [ص:161] ،فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لاَ أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلاَ يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَدَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ» [2] .

(1) - التفسير القرآني للقرآن (4/ 345)

(2) - صحيح البخاري (5/ 160) (4339)

(بني جذيمة) قبيلة من قبائل العرب. (صبأنا) خرجنا من دين إلى دين وقصدوا الدخول في الإسلام ولكن خالدا رضي الله عنه ظن أنهم لم ينقادوا ولهذا لم يقولوا أسلمنا. (أبرأ إليك) أعتذر. (مما صنع خالد) من قتل وأسر لهؤلاء]

(عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ «بَعَثَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ» ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَبِيلَةٍ (فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا) ; أَيْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَدَاءِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا هُوَ حَقُّهَا (فَيَقُولُونَ صَبَأْنَا صَبَأْنَا) ; أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ صَبَأْنَا ; أَيْ خَرَجْنَا مِنْ دِينِنَا إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ (فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ) ; أَيْ بَعْضَهُمْ (وَيَأْسِرُ) ; أَيْ آخَرِينَ (وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ) ; أَيْ أَبْقَى أَسِيرَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا بِيَدِهِ (حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ) ; أَيْ مِنَ الْأَيَّامِ قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَاهُ مَحْذُوفٌ فَكَانَ تَامَّةٌ ; أَيْ دَفَعَ إِلَيْنَا الْأَسِيرَ وَأَمَرَنَا بِحِفْظِهِ إِلَى يَوْمِ يَأْمُرُنَا بِقَتْلِهِ فَلَمَّا وَجَدَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَمَرَنَا بِقَتْلِهِمْ (أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي) ; أَيْ رُفَقَائِي (أَسِيرَهُ) ; أَيْ فَأَبْقَيْنَاهُمْ (حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -) قَالَ الطِّيبِيُّ: مُغَيَّاهُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنَّا أَسِيرَهُ بَلْ يَحْفَظُهُ حَتَّى نَقْدَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَحَفِظْنَا حَتَّى قَدِمْنَا (فَذَكَرْنَاهُ) ; أَيِ الْأَمْرَ لَهُ (فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ) ; أَيْ أَتَبَرَّأُ (إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: ضُمِّنَ أَبْرَأُ مَعْنَى أَنْهَى فَعُدِّي بَإِلَى ; أَيْ أُنْهِي إِلَيْكَ بَرَاءَاتِي وَعَدَمَ رِضَائِي مِنْ فِعْلِ خَالِدٍ، نَحْوُ قَوْلِكَ أَحْمَدُ إِلَيْكَ فُلَانًا، قُلْتُ وَمِنْهُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ ; أَيْ أَشْكُرُهُ مُنْهِيًا إِلَيْكَ وَمُعْلِمًا لَدَيْكَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا نَقِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ خَالِدٍ مَوْضِعَ الْعَجَلَةِ وَتَرْكَ التَّثَبُّتِ فِي أَمْرِهِمْ إِلَى أَنْ يَسْتَبِينَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ صَبَأْنَا ; لِأَنَّ الصَّبَأَ مَعْنَاهُ الْخُرُوجُ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ وَلِذَلِكَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَدْعُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصَّابِئَ وَذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ دِينَ قَوْمِهِ فَقَوْلُهُمْ صَبَأْنَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ خَرَجْنَا مِنْ دِينِنَا إِلَى دِينٍ آخَرَ غَيْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ يَهُودِيَّةٍ، أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَوْلُ صَرِيحًا فِي الِانْتِقَالِ إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ نَفَّذَ خَالِدٌ فِيهِمُ الْقَتْلَ إِذْ لَمْ تُوجَدْ شَرَائِطُ حَقْنِ الدَّمِ بِصَرِيحِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُمْ إِنَّمَا عَدَلُوا عَنِ اسْمِ الْإِسْلَامِ إِلَيْهِ أَنَفَةً مِنْ الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2560)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت