وهَذا الأَثَر وصَلَهُ ابن أَبِي الدُّنيا وإِبراهِيم الحَربِيّ فِي"غَرِيب الحَدِيث"والدِّينَورِيّ فِي"المُجالَسَة"مِن طَرِيق أَبِي الزّاهِرِيَّةِ عَن جُبَير بن نُفَير عَن أَبِي الدَّرداء فَذَكَرَ مِثله وزادَ"ونَضحَك إِلَيهِم"وذَكَرَهُ بِلَفظِ اللَّعن ولَم يَذكُر الدِّينَورِيّ فِي إِسناده جُبَير بن نُفَير، ورَويناهُ فِي"فَوائِد أَبُو بَكر بن المُقرِي"مِن طَرِيق كامِل أَبِي العَلاء عَن أَبِي صالِح عَن أَبِي الدَّرداء قالَ:"إِنّا لَنُكَشِّر أَقوامًا"فَذَكَرَ مِثله وهُو مُنقَطِع. وأَخرَجَهُ أَبُو نُعَيم فِي"الحِليَة"مِن طَرِيق خَلَف بن حَوشَبٍ قالَ قالَ أَبُو الدَّرداء فَذَكَرَ اللَّفظ المُعَلَّق سَواء، وهُو مُنقَطِع أَيضًا والكَشر بِالشِّينِ المُعجَمَة وفَتح أَوَّله ظُهُور الأَسنان، وأَكثَر ما يُطلَق عِندَ الضَّحِك، والاسم الكِشرَة كالعِشرَةِ قالَ ابن بَطّال: المُداراة مِن أَخلاق المُؤمِنِينَ، وهِيَ خَفض الجَناح لِلنّاسِ ولِين الكَلِمَة وتَرك الإِغلاظ لَهُم فِي القَول وذَلِكَ مِن أَقوى أَسباب الأُلفَة
وظَنَّ بَعضهم أَنَّ المُداراة هِيَ المُداهَنَة فَغَلَط؛ لأَنَّ المُدارَة مَندُوب إِلَيها والمُداهَنَة مُحَرَّمَة، والفَرق أَنَّ المُداهَنَة مِنَ الدِّهان وهُو الَّذِي يَظهَر عَلَى الشَّيء ويُستَر باطِنه، وفَسَّرَها العُلَماء بِأَنَّهُ مُعاشَرَة الفاسِق وإِظهار الرِّضا بِما هُو فِيهِ مِن غَير إِنكار عَلَيهِ، والمُداراة هِيَ الرِّفق بِالجاهِلِ فِي التَّعلِيم وبِالفاسِقِ فِي النَّهي عَن فِعله، وتَرك الإِغلاظ عَلَيهِ حَيثُ لا يَظهَر ما هُو فِيهِ، والإِنكار عَلَيهِ بِلُطفِ القَول والفِعل، ولاسِيَّما إِذا احتِيجَ إِلَى تَأَلُّفه ونَحو ذَلِكَ] [1] .
قلت: بهذا تعلم أن المداراة يحتاج إليها المرء كثيرا عند مخالطة الناس على اختلاف طبائعهم وأخلاقهم، وأنها من أقوى أسباب الألفة بين الناس، ومن أيسر سبل الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ إن المداراة تقرب بين القلوب فتقبل النصح.
فما من مجتمع إلا وتحدث فيه المشاحنات بين الناس لاختلاف طبائعهم ولغير ذلك من الأسباب، حتى الصحابة الذين هم خير هذه الأمة كانت تحدث بينهم مشاحنات رضي الله عنهم وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلح بينهم. فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: كَانَ قِتَالٌ
(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (10/ 528)