فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 234

يَتْرُكَ كُلَّ مَا لَا يَعْنِيهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَيَشْتَغِلَ بِمَا يَعْنِيهِ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ هَذَيْنِ الْمَقَامَيْنِ الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ وَتَرْكُ كُلِّ مَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ"] [1] ."

قلت: وكما ترى من الكلام السابق ومما ذكرناه في حديث «فليقل خيرا أو ليصمت» وفي حديث «حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» ،ترى أنه يجب على المسلم أن يفكر جيدا قبل أي قول أو فعل ولا ينساق من هوى نفسه أو هوى صُحْبَتِه، فإذا فكر وعلم ما يجوز له ومالا يجوز، أقدم على بصيرة. وقد وصف الله تعالى أصحاب النار بأنهم {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11) } [الملك] ،بهذا تدرك نعمة العقل ونعمة التفكير. والنصيحة التي تقال هنا هي: فَكِّر قبل أن تتكلم، فَكِّر قبل أن تتكلم، فَكِّر قبل أن تفعل.

الكِبر من آفات النفس التي تُظْهِرها مخالطة الناس، فعند المخالطة تظهر هذه الآفة في صور عديدة، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» [2] .

(1) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 288)

(2) - صحيح مسلم (1/ 93) 147 - (91)

(بطر الحق) هو دفعه وإنكاره ترفعا وتجبرا (غمط الناس) معناه احتقارهم يقال في الفعل منه غمطه يغمطه وغمطه يغمطه]

(إِنَّ الرَّجُلَ) أَيْ: جِنْسُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الشَّخْصُ (يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَاعِيَ نَظَرَ الْخَلْقِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ، وَعَلَامَةُ صِدْقِهِ أَنْ يُحِبَّ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْخَلَاءِ، ثُمَّ النَّعْلُ مَا وُقِيَتْ بِهِ الْقَدَمُ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ جَمَاعِيَّةٌ. ذَكَرَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي رِسَالَتِهِ فِيمَا يَجِبُ تَأْنِيثُهُ، وَفِي الْمَشَارِقِ: وَنَعْلُهُ حَسَنَةٌ فَالتَّذْكِيرُ هُنَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا، هُوَ مَا وُقِيَتْ بِهِ الْقَدَمُ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ التَّقْدِيرُ: وَنَعْلُهُ ذَاتُ حُسْنٍ، أَوْ عَدَلَ عَنْ فَعْلَاءَ أَيْ فَعَلَ لِلْمُشَاكَلَةِ مَعَ قَابِلِيَّةِ اللَّفْظِ أَنْ يُقْرَأَ كَذَلِكَ، وَلَعَلَّ سَبَبَ السُّؤَالِ مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى الرَّجُلُ الْعَادَةَ فِي الْمُتَكَبِّرِينَ لِبْسَ الثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ سَأَلَ مَا سَأَلَ.

(قَالَ) أَيْ: مُجِيبًا لَهُ (إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ) أَيْ: فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَفِعَالِهِ وَكُلِّ جَمَالٍ صُورِيٍّ أَوْ جَمِيلٍ مَعْنَوِيٍّ، فَهُوَ أَثَرُ جِمَالِهِ، فَلَا جَمَالَ وَلَا جَلَالَ وَلَا كَمَالَ إِلَّا لَهُ سُبْحَانَهُ (يُحِبُّ الْجَمَالَ) أَيْ: ظُهُورَهُ فِي مَخْلُوقَاتِهِ، وَلِذَلِكَ أَظْهَرَهُمْ وَجَعَلَهُمْ مَظَاهِرَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ:" «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» " (الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ) :بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ أَيِ: الْكِبْرُ الْمَذْمُومُ بُطْلَانُ جَمَالِ الْحَقِّ (وَغَمْصِ النَّاسِ) أَيِ: اسْتِحْقَارِ الْخَلْقِ، وَأَصْلُ الْبَطَرِ شِدَّةُ الْفَرَحِ وَالنَّشَاطِ، وَالْمُرَادُ هُنَا قِيلَ سَوَاءٌ احْتِمَالُ الْغِنَى، وَقِيلَ الطُّغْيَانُ عِنْدَ النِّعْمَةِ وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ. وَفِي النِّهَايَةِ: بَطَرُ الْحَقِّ هُوَ أَنْ يَجْعَلَ مَا يَجْعَلُهُ اللَّهُ حَقًّا مِنْ تَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ بَاطِلًا، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَجَبَّرَ عَنِ الْحَقِّ فَلَا يَرَاهُ حَقًّا. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَنِ الْحَقِّ فَلَا يَقْبَلُهُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَتَفْسِيرُهُ عَلَى الْبَاطِلِ أَشْبَهُ لِمَا وَرَدَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، إِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ سَفَهِ الْحَقِّ، وَغَمْصِ النَّاسِ أَيْ: رَأَى الْحَقَّ سَفَهًا. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3189)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت