فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 234

وقد رأينا كيف نزل ابن مسعود على اجتهاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان في إتمام الصلاة بمنى خلافا لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - والخليفتين من بعده، رغم تشدد من ابن مسعود في هذا، فيمَا تقرر عندهم من وجوب النزول على اجتهاد الأمير، رضي الله عنهم أجمعين.

ب = تفويض الأمور المباحة والفنية إلى رأي الأمير وتدبيره حتى لا تختلف آراؤهم، لقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83] ،ومثال ذلك ما ورد عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَمْرًا عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلاَسِلِ إِلَى لَخْمٍ وَجُذَامٍ وَمَسَايِفِ الشَّامِ، قَالَ: وَكَانَ فِي أَصْحَابِهِ قِلَّةٌ، قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ عَمْرُو: لاَ يُوقِدَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ نَارًا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَكَلَّمُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُكَلِّمَ عَمْرًا فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ: لاَ يُوقِدُ أَحَدٌ نَارًا إِلاَّ أَلْقَيْتَهُ فِيهَا، فَقَاتَلَ الْعَدُوَّ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَبَاحَ عَسْكَرَهُمْ، فَقَالَ النَّاسُ: أَلاَ نَتْبَعُهُمْ؟ فَقَالَ: لاَ، إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ وَرَاءَ هَذِهِ الْجِبَالِ مَادَّةٌ يَقْتَطِعُونَ الْمُسْلِمِينَ، فَشَكَوْهُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ رَجَعُوا، فَقَالَ: صَدَقُوا يَا عَمْرُو؟ قَالَ: كَانَ فِي أَصْحَابِي قِلَّةٌ فَخَشِيتُ أَنْ يَرْغَبَ الْعَدُوُّ فِي قَتْلِهِمْ، فَلَمَّا أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قَالُوا: اتْبَعْهُمْ، قُلْتُ: أَخْشَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ وَرَاءَ هَذِهِ الْجِبَالِ مَادَّةٌ يَقْتَطِعُونَ بِهَا الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَكَأَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - حَمِدَ أَمْرَهُ." [1] ،وفي رواية وعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُوقِدُوا نَارًا ثَلَاثًا، قَالَ: فَكَلَّمَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ عَنْهُ قَالُوا: كَلِّمْهُ لَنَا، فَأَتَاهُ قَالَ: قَدْ أَرْسَلُوكَ إِلَيَّ، لَا يُوقِدُ أَحَدٌ نَارًا إِلَّا أَلْقَيْتُهُ فِيهَا ثُمَّ لَقُوا الْعَدُوَّ فَهَزَمُوهُمْ، فَلَمْ يَدَعْهُمْ يَطْلُبُوا الْعَدُوَّ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ وَشَكَوْا إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانُوا قَلِيلًا فَخِفْتُ أَنْ يَطْلُبُوا الْعَدُوَّ وَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَادَّةٌ فَيَعْطِفُونَ عَلَيْهِمْ، فَحَمِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمْرَهُ».وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ عَمْرٌو: نَهَيْتُهُمْ أَنْ يُوقِدُوا نَارًا خَشْيَةَ أَنْ يَرَى الْعَدُوُّ قِلَّتَهُمْ. [2] ."

(1) - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (20/ 290) (37792) صحيح

(2) - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (5/ 319) (9625 - 9626) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادَيْنِ وَرِجَالُ الْأَوَّلِ رِجَالُ الصَّحِيحِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت