فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 234

يَجُوزُ مِنَ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ الْمَعَارِيضُ، وَحَقِيقَتُهُ لَا تَجُوزُ، وَالظَّاهِرُ إِبَاحَةُ حَقِيقَةِ الْكَذِبِ، لَكِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّعْرِيضِ أَفْضَلُ" [1] "

وكيف تخدع عدوك إذا لم تكتم أسرارك، فعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، «إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا» [2]

فَإِنَّ المُراد أَنَّهُ كانَ يُرِيد أَمرًا فَلا يُظهِرهُ كَأَن يُرِيد أَن يَغزُو جِهَة الشَّرق فَيَسأَل عَن أَمر فِي جِهَة الغَرب، ويَتَجَهَّز لِلسَّفَرِ فَيَظُنّ مَن يَراهُ ويَسمَعهُ أَنَّهُ يُرِيد جِهَة الغَرب، وأَمّا أَن يُصَرِّح بِإِرادَتِهِ الغَرب وإِنَّما مُراده الشَّرق فَلا، والله أَعلَم. [3]

وَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى أَخْذِ الْحَذَرِ فِي الْحَرْبِ وَالنَّدْبُ إلَى خِدَاعِ الْكُفَّارِ، وَأَنَّ مَنْ يَتَيَقَّظْ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَنْعَكِسَ الْأَمْرُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ خِدَاعِ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ كَيْفَ مَا أَمْكَنَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ أَوْ أَمَانٍ فَلَا يَجُوزُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْخِدَاعُ فِي الْحَرْبِ يَقَعُ بِالتَّعَرُّضِ وَبِالْكَمِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَفِي الْحَدِيثِ الْإِشَارَةُ إلَى اسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ فِي الْحَرْبِ بَلْ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ آكَدُ مِنْ الشَّجَاعَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَعْنَى"الْحَرْبُ خُدْعَةٌ":أَيْ الْحَرْبُ الْجَيِّدَةُ لِصَاحِبِهَا الْكَامِلَةُ فِي مَقْصُودِهَا إنَّمَا هِيَ الْمُخَادَعَةُ لَا الْمُوَاجَهَةُ وَذَلِكَ لِخَطَرِ الْمُوَاجَهَةِ وَلِحُصُولِ الظَّفَرِ مَعَ الْمُخَادَعَةِ بِغَيْرِ خَطَرٍ. [4]

ويصل كتمان الأسرار إلى إباحة الكذب إن لم يمكن كتم السر إلا بذلك، وهذا فيما يتعلق بالحرب والجهاد خاصة. فعَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ عُقْبَةَ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَقُولَ: خَيْرًا أَوْ يُنَمِّيَ خَيْرًا"وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِنَّهُ كَذِبٌ إِلَّا فِي

(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2535)

(2) - سنن الدارمي (3/ 1592) (2494) صحيح

وفِي الْحدِيث: إباحةُ الخِداع فِي الْحَرْب، وَإِن كَانَ مَحْظُورًا فِي غَيرهَا من الْأُمُور، شرح السنة للبغوي (11/ 41)

(3) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (6/ 159)

(4) - نيل الأوطار (7/ 277)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت