فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 234

وكما ترى من الأدلة السابقة فإن الإصلاح بين الناس فضيلة عظيمة، ذلك لأن الخلافات والعداوات بين الناس من أعظم ما يهدد وحدة الجماعة المسلمة، حتى سماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الحالقة» ،فعَنْ يَعِيشَ بْنِ الوَلِيدِ، أَنَّ مَوْلًى لِلزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ" [1] ،والبغضاء تحلق الدين لأن كثيرا من الوظائف الدينية لا تقوم إلا بالجماعة.

(1) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 664) (2510) صحيح لغيره

(إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ) أَيْ: فِي الْبَاطِنِ (وَالْبَغْضَاءُ) أَيِ: الْعَدَاوَةُ فِي الظَّاهِرِ، وَرَفَعَهُمَا عَلَى أَنَّهُمَا بَيَانٌ لِلدَّاءِ أَوْ بَدَلٌ، وَسُمِّيَا دَاءً لِأَنَّهُمَا دَاءُ الْقَلْبِ (هِيَ) أَيِ: الْبَغْضَاءُ وَهُوَ أَقْرَبُ مَبْنًى وَمَعْنًى، أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (الْحَالِقَةُ) أَيِ: الْقَاطِعَةُ لِلْمَحَبَّةِ وَالْأُلْفَةِ وَالصِّلَةِ وَالدَّمْعِيَّةِ وَالْخَصْلَةُ الْأُولَى هِيَ الْمُؤَدِّيَةُ إِلَى الثَّانِيَةِ، وَلِذَا قُدِّمَتْ (لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ) أَيْ: تَقْطَعُ ظَاهِرَ الْبَدَنِ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ سَهْلٌ (وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ) .وَضَرَرُهُ عَظِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ الْبَغْضَاءُ تَذْهَبُ بِالدِّينِ كَالْمُوسى تَذْهَبُ بِالشَّعْرِ وَضَمِيرُ الْمُؤَنَّثِ رَاجِعٌ إِلَى الْبَغْضَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا} [التوبة:34] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} [البقرة:45] أَيْ: فِي بَعْضِ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. قَالَ: وَلِأَنَّ الْبَغْضَاءَ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا فِي ثُلْمَةِ الدِّينِ وَإِنْ كَانَتْ نَتِيجَةَ الْحَسَدِ أَيْ: فِي بَعْضِ أَفْرَادِهَا. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3154)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت