فهرس الكتاب

الصفحة 8814 من 15698

إلاّ أنه من المؤكّد أن هذه العوامل كلّها في مجملها لها نصيب الأسد في اندلاع وتواصل هذه الحملات الصليبية (1)

(1) فقد رأى أغلب المحللين للموضوع أن الحروب الصليبية كانت في معناها الواسع حلقة من الصراع ومواجهة مباشرة بين المشرق والمغرب. وأكد أغلبهم على أن أسباب قدوم الصليبيين متعددة، ومن بينها الأسباب المباشرة، فقبل الحملة الأولى وبعد تهديد السلاجقة للقسطنطينية واستنجاد الإِمبراطور البيزنطي ألكسيس كومان (Alexis Commene) بالبابا، وما من شك أن أوربان الثاني كان يعد هذه المدينة آخر خط دفاعي أمام توغل المسلمين في أوربا. أما الناحية الأخرى التي نسجلها، فهي الوضع الذي كان عليه المجتمع الأوروبي. فجميع المصادر تتحدث عن الفاقة والاحتياج اللذين كانا منتشرين هنالك، كما أن طبقة الإِقطاعيين والنبلاء كانت تسلط ضرائب ضخمة على الفلاحين فمثلت هذه الحروب الفرصة السانحة لهم للتخلص من قمع أسيادهم والهروب من اضطهادهم. لهذا اندفعوا في أعداد كبيرة للقيام بالواجب المقدّس. أما الطبقات العليا، فكانت ترمي من وراء هذا إلى تحقيق مطامح شخصية، خاصة الحلم بتكوين ثروات طائلة واقتطاع إمارات جديدة بالمشرق، كما اعتبروا أن الوازع الديني سيكون غطاء لأهدافهم الدنيوية. ونلاحظ أن الجمهوريات الإيطالية كانت تطمح إلى الحصول على أرباح طائلة من جراء هذه الحملات خاصة جمهوريات البندقية وجنوة وبيزا ونابولي التي ساهمت فيها مباشرة. لكن لا يعني هذا أن الناحية الدينية فقدت لدى هؤلاء، إذ أنّ أغلبهم -وخاصة العامة، أي الجنود- كان وازعهم الأساسي دينيا، إذ أن دفع رجالات الدين لهم كان متواصلا للحج إلى بيت المقدس والاستيلاء عليها. (يمكن الاطلاع على ما أورده سيد علي الحريري في كتابه: »الأخبار السنية في الحروب الصليبية«(1329هـ) حول خطاب البابا أوربان الثاني في Clermont Ferrand وعن إعلانه لغفران الذنوب والتكفير عن المعاصي لكلّ مشارك في الحملة، وهي ليست أول مرة يحصل فيها هذا. فالبابا جون الثامن وعد هو الآخر بمحو ذنوب المحاربين الذين يدافعون عن دينهم ضدّ المسلمين في صقلية (خلال القرن الثالث الهجري/ التاسع ميلادي) كما أن ألكسندر الثاني وعد بنفس الشيء بالنسبة للمقاتلين المسيحيين بإسبانيا سنة 1063م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت