الصفحة 13 من 28

وقد قرر ابن العربي - بناء على ما فسره - قاعدة تؤكد اعتباره لمقاصد الشريعة في التيسير، إذ قال: (والتنفير مفسدة للخليقة، والتيسير مصلحة لهم) (1) وينبني على هذا أن التيسير في دعوة الناس إلى الإسلام، منهج قرآني يشهد له ما فسر به ابن العربي الآية المتقدمة، ولذلك أيضا شواهد أخرى ليس من صميم هذا البحث الخوض فيها أو التفصيل.

2 -قال ابن العربي في تفسير قوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} [الأعراف: 157] : (الإصر هو الثقل، وكان فيما سبق من الشرائع تكاليف كثيرة فيها مشاق عظيمة، فخفف تلك المشاق لمحمد صلى الله عليه وسلم فمنها مشقتان عظيمتان: الأولى في البول، كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه، فخفف الله ذلك عن هذه الأمة بالغسل بالماء، وروى مسلم عن أبي وائل قال: كان أبو موسى يشدد في البول ويبول في قارورة ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض، فقال حذيفة: لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد، لقد رأيتني أنا ورسول الله نتماشى، فأتى سباطة خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم، فبال فانتبذت منه، فأشار إلي فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ"(2) ، ومن الإصر الذي وضع إحلال الغنائم، وكانت حراما على سائر الأمم، ومنها ألا تجالس الحائض ولا تؤاكل، فخفف الله ذلك في دينه، فقال صلى الله عليه وسلم:"لتشد عليها إزارها ثم شأنه بأعلاها" (3) في أعداد لأمثالها) (4) ، وقد جعل ابن العربي التيسير في الإسلام برفع الإصر والحرج أصلا عظيما في الدين وركنا من أركان شريعة المسلمين شرفنا الله سبحانه على الأمم به، فلم يحملنا إصرا ولا كلفنا في مشقة أمرا. (5) "

(1) المصدر نفسه: 2/ 398.

(2) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب البول قائما وقاعدا، وباب البول عند سباطة قوم، وباب البول عند صاحبه والتستر بالحائط. وأخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين.

(3) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، في كتاب الطهارة، باب ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض.

(4) أحكام القرآن: 2/ 327 - 328 وينظر أيضا تفسيره لقوله تعالى:"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"سورة البقرة الآية 285 أحكام القرآن: 1/ 347.

(5) ينظر أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 347

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت