إن الاتجاه المقاصدي لا يتجاوز النصوص الشرعية، ولا يضعها في مقابل بعض المصالح والمنافع، وإنما يعتمد المصالح المعتبرة والمقاصد الشرعية المرعية في تفسير النص الشرعي قرآنا وسنة إذ (يستلهم الحكم والمصالح التي جاءت النصوص لغايتها مسترشدا بما عرف من عادة الشرع في الأحكام مستعينا بروح الشريعة وعللها المنصوصة وأحكامها المستنبطة، فإذا ما توصل إلى هذه الحكمة وتعرف على تلك المصلحة فسر النص في ضوئها وحدد نطاق تطبيقه ومجال إعماله على أساسها) (1) .
إن الفهم المقاصدي للنصوص الشرعية ينبغي أن يلتزم بضوابطه وشروطه، وإلا آل الأمر إلى تحميل النصوص غير ما تحتمل، وخرج إعمال المقاصد عن مقاصده، وأفضى كل ذلك إلى اتجاه تقويلي (2) يتقول على النصوص ويسرف في تأويلها ولو كان هذا التأويل مناقضا لقواعد العلم وقواعد الاستدلال والاستنباط.
يتلخص من هذا كله أن الاتجاه المقاصدي الملتزم بضوابطه وقواعده وشروطه (يقف وسطا بين التفريط والإفراط بين اللفظيين والتقويليين، يتجاوز ظاهرية اللفظيين، لكنه لا يتجاوز مقاصد الخطاب التي قامت على الدليل وقام عليه الدليل) (3) .
ولا شك أن تراثنا العلمي يزخر بنماذج من العلماء الأجلاء الذين كان لهم إسهام في هذا الاتجاه، وشهدت مصنفاتهم وآراؤهم واجتهاداتهم بذلك.
القرآن الكريم ينطوي على أرقى المقاصد وأكبرها وأعلى المصالح وأعظمها فهو أصل الأصول ومصدر المصادر وأساس النقول والعقول.
إن جميع المقاصد الشرعية المعتبرة والمعلومة والمقررة في الدراسات الشرعية إنما هي راجعة في جملتها أو تفصيلها، تصريحا أوتضمينا إلى هدي القرآن وتعاليمه وأسراره وتوجيهاته.
(1) مقاصد الشريعة عند ابن تيمية للدكتور يوسف أحمد محمد البدوي ص: 116
(2) هذه العبارة للدكتور الريسوني الفكر المقاصدي ص: 94.
(3) الفكر المقاصدي للدكتور الريسوني ص: 94