وقد تفقد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه إلى تبوك بعض من تخلف وسأل أبارهم كلثوم بن حصين الغفاري عمن تخلف من بني غفار واسلم [1] كما سأل في تبوك عن كعب بن مالك [2] .
وقد عقَّبت سورة التوبة بتفصيل على موقف المتخلفين، فأنكرت عليهم التخلف عن النفير العام حيث تحول الجهاد بذلك إلى فرض عين، ثم أعلنت قبول توبتهم وأخذ صدقات أموالهم بعد اعترافهم بذنوبهم في التخلف عن الغزوة وطلبهم قبول صدقاتهم منهم، كما عرَّت السورة المنافقين وأنهم لا يؤمنون بقدر الله ويحبون الحياة ويرغبون عن الجهاد بالنفس خوفًا من الموت، وقد ينفقون المال كرهًا دون نية صالحة، ولهم جرأة على قول الباطل فهم يتهمون سواهم بالجبن فإذا حوسبوا عن أقوالهم تنصلوا منها وزعموا أنهم كانوا يمزحون!! وقد رفض القرآن عذرهم وأعلن كفرهم ونهى عن الاستغفار لهم والصلاة على أمواتهم، وتوعدهم بالبكاء طويلًا في جهنم مقابل ضحكهم في الدنيا الفانية، ومنعهم من المشاركة في الجهاد مستقبلًا تبكيتًا لهم وتنقية لصف المؤمنين من أمثالهم، وتمييزًا لهم عن المؤمنين لئلا يشيعوا فيهم الضعف والخذلان، وقد أرجأت إحدى الآيات البت في أمر بعض المتخلفين الذين ندموا على تخلفهم وهم من غير المنافقين المعتذرين والمتخلفين المعترفين بخطئهم.
وقد عاتبت هذه السورة المتخلفين من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب مبينة عظيم أجر الجهاد. وما ذلك إلا لأن الجهاد يصير متعينًا وقت النفير العام.
(1) سيرة ابن هشام 4/ 172 - 173 من رواية ابن إسحق عن الزهري ولم يصرح بالسماع بل بلفظ"وذكر الزهري"فلعله أخذها وجادة من مغازي الزهري وقد وردت من طريق معمر عن الزهري (موارد الظمآن في زوائد ابن حبان 418) فتقوى الرواية إلى الحسن لغيره.
(2) صحيح البخاري (فتح الباري 8/ 114) .