فهرس الكتاب

الصفحة 680 من 707

والتوجيه، وهي التفاتة تدلُّ على عبقرية أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه -.

روى البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال:"خرجت مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي وترك صبية صغارًا، والله ما ينضجون كُراعًا، ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن تأكلهم الضبع - أي السنة المجدبة - وأنا بنت خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم."

فوقف معها عمر ولم يمض، ثم قال: مرحبًا بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطا في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعاما، وحمل بينهما نفقة وثيابا، ثم ناولها بخطامه ثم قال: اقتاديه، فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير.

فقال رجل: يا أمير المؤمنين أكثرت لها.

فقال عمر: ثكلتك أمُّك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنا زمنًا فافتتحناه، ثم أصبحنا نستفييء سهماننا فيه"."

وقد تكرر ذلك من عمر - رضي الله عنه -، فقد قسَّم مروطا (أكسية من صوف أو خز) بين نساء أهل المدينة، فبقي منها مرط جيِّد، فقال بعض من حضر: يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك - يريدون أم كلثوم بنت علي - رضي الله عنه - وكانت زوجة لعمر بن الخطاب.

فقال عمر: أم سُليط أحق به، فإنها ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت تحمل للناس القرب يوم أحد [1] .

وهكذا فإن تكريم الأبطال الذين يقدمون خدمات عظيمة للمجتمع انسحب على أبنائهم، وبذلك يعرف الناس جميعًا أن تضحياتهم لا تضيع في الدنيا ولا في الآخرة {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} .

(1) ابن الجوزي: مناقب عمر 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت