الصفحة 355 من 1172

والدماميني، وغيرهم، من أعجب العجاب، إذ يلزم عليه تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوع الأحكام الشرعية في غير أوقاتها، وهو باطل بالبديهة، لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما جاء بمحو آثار الجاهلية، ووضع الأحكام الشرعية في مواضعها، فكيف يتصور توجيهه أصحابه لإقامة الحج في غير وقته، مع أن مكة إذ ذاك صارت دار إسلام، وعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - مقيم بها، فمن ذا الذي يمنع أبا بكر من إقامة الحج في وقته، ومن ذا الذي يصده عنه، وتحويل الحج في العام المقبل لذي الحجة موقوف على وضع شيء في موضع ذي القعدة، ومن ذا الذي يضعه وقد انمحى أثر الجاهلية، وحسمت مادة الكفر من مكة ونواحيها، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - بعث بالأذان بنقض ما كانت تفعله الجاهلية وإبطاله من قوله:"لايحجن بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان" (1) ، فكيف ينهى عما ذكر، ويقر وقوع الحج في غير وقته، وقد نقل الأبي عن أبي عبيد كلاما في بيان النسيء، إلى أن قال: فجاء الإسلام وقد رجح المحرم إلى موضعه هـ، ولما يلزم عليه أيضا أن أبابكرلم يحج تلك السنة، لأن المعدوم شرعا معدوم حسا، والمسلمون كلهم على أنه حج حجا معتبرا، ولأنه مصادم لقوله تعالى:"وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر" (2) ، ولما في الصحيح عن أبي هريرة:"بعثني - صلى الله عليه وسلم - في مؤذنين يوم النحر" (3) ، ولما فيه أيضا أن عليا أذن ببراءة يوم النحر، وجميع ذلك وقع في حجة أبي بكر هذه إجماعا، فتبين أن الذي يجب المصير إليه والتعويل عليه، هو أن حج أبي بكر هذه إجماعا، فتبين أن الذي يجب المصير إليه والتعويل عليه، هو أن حج أبي بكر ما وقع إلا في

(1) أخرجه البخاري في الصلاة الباب 3، والمغازي الباب 66، ومسلم في الحج 435، وأحمد في المسند 1/3.

(2) سورة التوبة، الآية 3.

(3) أخرجه البخاري 1/144 في أبواب الصلاة باب ما يستر من العورة، والبيهقي في السنن الكبرى 5/166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت