…يعتبر الفقهاء على امتداد تاريخنا العلمي القادة الموثقين لأحكام الشريعة السمحة، وهم يمثلون صنفا نفيسا من أصناف أرباب العلوم التي برزت في أمتنا، حيث أسهموا في بناء أيام الازدهار العلمي والثقافي، وأشاعوا الحقائق الكبيرة سيما في عصور الازدهار الأولى.
…وبالرغم من سيطرة التقليد المذهبي على مساحة غير يسيرة من مسيرتنا العلمية، وافتقاد الفقهاء لروح التجديد والابتكار، فإن روح النهوض بالفقه لم يخل منها عصر ولا مصر.
…لقد شاعت في القرون الماضية مناهج في التأليف عجيبة، وسيطرت الحواشي والتعليقات على مناهج التعليم الشرعي (1) ، بل لم ينج في بعض الأمصار إلا النادر من العلماء الذين رفضوا الانحدار الشائع في ميدان الفقه والفهم.
…ولعل هؤلاء الحراس لأصول الاستدلال ومقاصد الشرع هم الذين أبقوا للفقه حيويته وحياته بين ركام من المعارف المعلولة الشاذة عن السياق العلمي العام الذي أصله أئمة المذاهب الفقهية ومجتهدوا العصور الراشدة ثقافيا.
…ولست أبالغ إن زعمت أن شراح المصنفات الحديثية قد أبقوا على الخط الجامع بين خزانة الفقه والتراث الحديثي الصحيح، وخدموا الشريعة بما يبقي للمعاني الصحيحة مكانتها في سلم التشريع .
(1) - ليس العيب في هذا النوع من التصنيف، فلكل طريقة مقاصدها ومصالحها، ولكن العيب في الاقتصار على ذلك، وتغييب المناهج والطرق التي سادت في تاريخنا التليد، وكذا تهميش المصادر الأولية من واقع الدرس الفقهي، وهو ما حدا بالحجوي أن يقول في الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي 4/189: ( انصبت جهود الفقهاء في عصور الانحطاط على تأليف المختصرات الفقهية التي بلغت حدا من الاختصار يشبه الطلاسم، فاحتاجت إلى من يشرحها، فكثرت الشروح على المختصرات، وتنوعت الحواشي عليها، الشيء الذي أدى إلى إفساد الفقه بل العلوم كلها ) .