الصفحة 521 من 1172

الهم المستغلق إبهاما، المتعلق بالنفس، على أنه إخبار ثان عما تقدم بيانه، والنص عليه تصريحا لا تلويحا، من دعائه لها وجوابه لها، ونحمل كلام الله على هذا المحمل، مع أن له محملا سواه يفيد معنى زائدا، ويجري مع ما قبله، لا ينافره ولا يأباه، ولو وقع هذا فيما يدور بيننا من الكلام لكان للسامع أن يقول قد تقدم تحديثك بهذا وبسطه، فلم كررته في لفظ، إنما ينبئ عن ذكره في النفس أنك ما أفدت شيئا، فمثل هذا لا يصلح أن يحمل عليه كلام الله، سيما وقد أكدت جملة:"وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ"، بلام الابتداء وحرف التحقيق، فتعين صرف الهم في حقها إلى ما يفيد معنى لم يتقدم ذكره، وذلك أنها لما بالغت في فضيحة نفسها، ونزلت ليوسف عن رتبتها، مع عزتها في نفسها، امتلأت عليه حنقا وغيظا، فهمت به أن تعاقبه/ انتصارا لنفسها، فالهم هنا كما في قوله تعالى:"وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَاخُذُوهُ"- غافر 5-، وهم هو بدفعها عن نفسه، ومقابلة ما يقع منها بمشاكله ومثله،"لَوْلاَ أَن رَّءا بُرْهَانَ رَبِّهِ"، والبرهان كما قاله أبو الفضل بن الخطيب (1) في كتاب الأربعين له، هو أنه لما هم بما ذكر، أراه الله برهانا على أنه إن أقدم على ما هم به، أهلكه أهلها، وأنها تدعي عليه أنه المراود لها، وأنه ضربها لأجل امتناعها، فألهمه الله الفرار منها، ويؤيده ما ظهر في الوجود من قد القميص من دبر حين فر منها، ولو لم يفر لكان قده من قبل، وبهذا يستقيم إيراد القصة مكملة مرتبة على حسب وقوعها في الوجود بكلام وجيز بليغ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبه يزول اللبس، وترتفع الشبهة، وتنفصم عروة الإشكال، وما نسبه إليه بعض المفسرين من أنها استلقت له وقعد بين رجليها وحل سراويله، فشيء لا أصل له، ولا معول عليه، وكذا ما ذكروه في البرهان من الأمور التي لا تحقيق لهم بها، فكل ذلك خبر باطل لم يرد عن

(1) - هو الفخر الرازي، وقد تقدمت ترجمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت