فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 774

معطوفة على الرؤوس دون غيره. ليتقابل الجملتان في عطف مغسول محدود على مغسول غير محدود، وعطف ممسوح محدود على ممسوح غير محدود.

وأما مَن قال: إنه عطف على الجوار، فقد ذكرنا عن الزجَّاج أنه لم يُجوِّز ذلك في القرآن، ومَن أجاز ذلك في الكلام فإنما يجوز مع فقد حرف العطف، وكل ما استشهد به على الإعراب بالمجاورة فلا حرف فيه حائل بين هذا وذاك. وأيضًا فإن المجاورة إنما وردت في كلامهم عند ارتفاع اللَّبْس والأمن من الاشتباه، فإن أحدًا لا يشتبه عليه أن"خربًا"لا يكون من صفة الضب، ولفظة"مزمل"لا يكون من صفة البجاد، وليس كذلك الأرجل فإنها يجوز أن تكون ممسوحة كالرؤوس. وأيضًا فإن المحققين من النحويين نفوا أن يكون الإعراب بالمجاورة جائزًا في كلام العرب، وقالوا فى"حجر ضب خرب": إنهم أرادوا خرب جحره، فحذفوا المضاف الذى هو"جحر"وأقيم المضاف إليه وهو الضمير المجرور مقامه، وإذا ارتفع الضمير استكن فى"خرب"وكذلك القول فى"كبير أناس في بجاد مزمل"، فتقديره: مزمل كبيره، فبطل الإعراب بالمجاورة جملة، وهذا واضح لمن تدبره.

وأما مَن جعله مثل قول الشاعر:"علفتها تبنًا وماءً باردًا"، كأنه قدَّر في الآية: واغسلوا أرجلكم، فقوله أبعد من الجميع، لأن مثل ذلك لو جاز في كتاب الله تعالى - على ضعفه وبُعْده في سائر الكلام - فإنما يجوز إذا استحال حمله على ظاهر، فأما إذا كان الكلام مستقيمًا ومعناه ظاهرًا فكيف يجوز مثل هذا التقدير الشاذ البعيد؟

وأما ما قاله أبو علىّ في القراءة بالنصب على أنه معطوف على الأيدى، فقد أجاب عنه المرتضى بأن قال: جعل التأثير في الكلام للقريب أولى من جعله للبعيد، فنصب الأرجل عطفًا على الموضع أولى من عطفها على الأيدى والوجوه، على أن الجملة الأولى المأمور فيها بالغسل قد انقضت وبطل حكمها باستئناف الجملة الثانية، ولا يجوز بعد انقطاع حكم الجملة الأولى أن تعطف على ما فيها، فإن ذلك يجرى مجرى قولهم: ضربتُ زيدًا وعَمْرًا، وأكرمتُ خالدًا وبكرًا، فإن رد بكر إلى خالد في الإكرام هو الوجه في الكلام لا يسوغ الذى سواه، ولا يجوز رده إلى الضرب الذى قد انقطع حكمه، ولو جاز ذلك أيضًا لترجح ما ذكرناه لتطابق معنى القراءتين ولا تتنافيان.

فأما ما روى في الحديث أنه قال:"ويل للعراقيب من النار"، وغير ذلك من الأخبار التى رووها عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه توضأ وغسل رجليه، فالكلام في ذلك أنه لا يجوز أن يُرجعْ عن ظاهر القرآن المعلوم بظاهر الأخبار الذى لا يوجب علمًا وإنما يقتضى الظن، على أن هذه الأخبار معارضة بأخبار كثيرة وردت من طرقهم ووُجِدت في كتبهم، ونُقِلت عن شيوخهم، مثل ما روى عن أوس بن أبى أوس أنه قال: رأيتُ النبى صلى الله عليه وسلم يتوضأ ومسح على نعليه ثم قام فصلَّى، وعن حذيفة قال: أتى رسول الله سباطة قوم فبال عليها ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت