ووقعت بينهم وبين علىّ حروب طاحنة هزمهم فيها، ولكن لم يقض عليه. وأخيرًا دبروا له مكيدة قتله، فقتله عبد الرحمن بن ملجم.
وجاءت دولة الأُمويين، فكان الخوارج شوكة في جنبها يهدودنها ويحاربونها، حتى كادوا يقضون عليها. ثم جاءت الدولة العباسية، فكان بينهم وبينها حروب كذلك، ولكن لم يكونوا في قوتهم الأولى، لتفرق كلمتهم وتشتت وحدتهم، وضعف سلطانهم، وخور قواهم.
دبَّت في وحدة الخوارج جرثومة التفرق، وأُصيبوا بداء التحزب، فبلغ عدد أحزابهم عشرين حزبًا، كل حزب يفارق الآخر في المبدأ والعقيدة ... ولكن يجمع الكل على مبدأين اثنين:
أحدهما: إكفار علىّ، وعثمان، والحَكَمين، وأصحاب الجمل، وكل مَن رضى بتحكيم الحَكَمين.
وثانيهما: وجوب الخروج على السلطان الجائر.
وهناك مبدأ ثالث يقول به أكثر الخوارج، وهو: الإكفار بارتكاب الكبائر.
هذا.. وقد وضع الخوارج مبدأ للخلافة فقالوا:"إن الخلافة يجب أن تكون باختيار حر من المسلمين، وإذا اختير الخليفة فليس يصح أن يتنازل أو يُحَكِّم، وليس بضرورى أن يكون الخليفة قرشيًا، بل يصح أن يكون من قريش ومن غيرهم، ولو كان عبدًا حبشيًا، وإذا تم الاختيار كان رئيس المسلمين ويجب أن يخضع خضوعًا تامًا لما أمر الله، وإلا وجب عزله، ولهذا أمَّروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبى، ولم يكن قرشيًا".
وعلى هذا حكموا بصحة خلافة أبى بكر وعمر، وبصحة خلافة عثمان في سنيه الأولى، فلما غيَّر وبدَّل ولم يسر سيرة الشيخين - كما زعموا - وجب عزله، وأقروا بصحة خلافة علىّ أولًا، ثم خرجوا عليه بعد أن أخطأ في التحكيم، وكفر به كما يزعمون!!
ولا يسعنا في تلك العُجالة إلا أن نطوى الحديث عن التعرض لكل فرقة من فرق الخوارج، ولكن نكتفى بالكلام عن أشهرها، وهى ما يأتى:
أولا - الأزارقة: وهم أتباع نافع بن الأزرق، وهم يُكَفِّرُون من عداهم من المسلمين، ويُحَرِّمُون أكل ذبائحهم ومناكحتهم، ولا يُجيزون التوارث بينهم، ويعاملونهم معاملة الكفار من المشركين ... إما الإسلام، وإما السيف، ودارهم دار حرب، ويحل قتل نسائهم وأطفالهم، ولا يقولون برجم الزانى المحصن، ولا يقولون بحد مَن