المراد النهى عن نفس الأكل، لا عن سكون الهمة لغير الله. وإن كان هذا منهيًا عنه أيضًا، لكن يمكن أن يكون لهذا الكلام الذى قاله سهل وجه يجرى عليه، وذلك أن النهى في الآية لا يصح حمله على نفس القُرْب مجرَّدًا، إذ لا مناسبة فيه ظاهرة، ولأنه لم يقل به أحد، وإنما النهى عن معنى في القرب وهو إما التناول والأكل. وإما غيره وهو شىء ينشأ الأكل عنه، وذلك مساكنة الهمة، فإنه الأصل في تحصيل الأكل، ولا شك في أن السكون لغير الله لجلب منفعة أو دفع مفسدة منهى عنه.
فهذا التفسير له وجه ظاهر فكأنه يقول: لم يقع النهى عن مجرد الأكل من حيث هو أكل، بل عما ينشأ عنه الأكل من السكون لغير الله، إذ لو انتهى عما نهى الله عنه لكان ساكنًا لله وحده، فلما لم يفعل وسكن إلى أمر في الشجرة غرَّه به الشيطان وهو الخلود في الجنَّة، أضاف الله إليه لفظ العصيان فقال في الآيتين [121-122] من سورة طه: {وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى * ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى} ..
مثل هذا - وهو كثير في كلام الصوفية - لا نعدم له وجهًا نحمله عليه حتى يكون تفسيرًا صحيحًا ومقبولًا.
ولكن هناك أقوال لهم في التفسير الإشارى يقف أمامها العقل حائرًا وعاجزًا عن تلمس محمل لها تُحمل عليه حتى تبدو صحيحة وتصبح مقبولة، فمن ذلك:
ما يروونه عن ابن عباس أنه فسَّر {آلم} فقال:"الألف: الله، واللام: جبريل، والميم: محمد صلى الله عليه وسلم ... وأن الله أقسم بنفسه وجبريل ومحمد عليهما السلام".
وهذا إن صح نقله فهو مشكل إلى حد بعيد، ذلك لأن الإشارة إلى الكلمة بحرف ليس معهودًا في كلام العرب. اللَّهم إلا إن دل عليه الدليل اللفظى أو الحالى كقول الشاعر:
فقلت لها قفى فقالت قاف
أراد: قالت: وقفت.
وقول زهير:
بالخير خيرات وإن شرًا فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا
أراد: وإن شرًا فشر، وأراد: إلا أن تشاء.
وقول الآخر:
نادوهموا ألا الجموا ألا تا ... قالوا جميعًا كلهم ألا فا
أراد: ألا تركبون. قالوا: ألا فاركبوا.