رِقِّ العبودية إلى الملأ الأعلى، وهو الاتصال بمالك المُلْك، دون الاشتغال بشىء من الملك ... وقيل: {آلم} .. معنى الألف: أى أفرد سرك، واللام: ليت جوارحك لعبادتى، والميم: أقم معى بمحو رسومك وصفاتك، أزينك بصفات الأُنس بى، والمشاهدة إياى، والقُرْب منى"."
فهذا الذى قاله سهل التسترى والذى قاله أبو عبد الرحمن السلمى مشكل كالمروى عن ابن عباس، بل وأعظم منه إشكالًا حيث ادَّعوا أن هذه الحروف ترمز إلى أسرار غيبية ومعان مكنية، وإذا جُمعت هذه الحروف على طريقة مخصوصة كان كذا وكذا، بل ويدَّعون أحيانًا أن هذه الحروف هى أصل العلوم ومنبع المكاشفات على أحوال الدنيا والآخرة، وينسبون ذلك إلى أنه مراد الله تعالى في خطابه العرب الأُميِّة التى لا تعرف شيئًا من ذلك، وهذه كلها دعاوى يدَّعونها على القرآن، ولا أحسب أنهم استندوا فيها إلى دليل برهانى أو إقناعى، وكل ما أقوله فيها: إنها دعاوى محالة على الكشف والاطلاع، ودعوى الكشف والاطلاع لا تصلح دليلًا شرعيًا بحال من الأحوال.
ومن المواضع المشكلة أيضًا، ولكنها أخف إشكالًا مما مَرَّ.. ما جاء عنهم من نحو تفسير سهل التسترى لقوله تعالى في الآية [96] من سورة آل عمران: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} ... الآية، بقوله:"أول بيت وُضِعَ للناس بيت الله عَزَّ وجَلَّ بمكةَ، هذا هو الظاهر، وباطنها: الرسول يؤمن به مَن أثبت الله في قلبه التوحيد من الناس".
ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى في الآية [36] من سورة النساء: {والجار ذِي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل} .. حيث يقول - بعد ذكره للتفسير بالظاهر:"وأما باطنها، فالجار ذى القُربَى: هو القلب، والجار الجُنُب: هو الطبيعة، والصاحب بالجَنب: هو العقل المقتدى بالشريعة، وابن السبيل: هو الجوارح المطيعة لله".
وتفسيره لقوله تعالى في الآية [41] من سورة الروم: {ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر} .. بقوله:"مَثَّلَ الله الجوارح بالبر، ومَثَّل القلب بالبحر، وهم أعم نفعًا وأكثر خطرًا، هذا هو باطن الآية، ألا ترى أن القلب إنما سُمِّى قلبًا لتقلبه وبُعْد غوره"؟
وتفسير ابن عطاء الله السكندرى لقوله تعالى في الآية [33] من سورة يس: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} بقوله:"القلوب"