يسقط القصص بالمرة، كما تفيده عبارة ابن فرحون، بل أضرب عن كثير منها، كما ذكر في مقدمة تفسيره، ولهذا نلاحظ عليه أنه يروى أحيانًا ما جاء من غرائب القصص الإسرائيلى.
هذا.. وإن المؤلف - رحمه الله - ينقل عن السَلَف كثيرًا مما أُثِر عنهم في التفسير والأحكام، مع نسبة كل قول إلى قائله وفاءً بشرطه، كما ينقل عمن تقدمه في التفسير، خصوصًا مَن أَلَّف منهم في كتب الأحكام، مع تعقيبه على ما ينقل منها. وممن ينقل عنهم كثيرًا: ابن جرير الطبرى، وابن عطية، وابن العربى، والكيا الهراسى، وأبو بكر الجصَّاص.
وأما من ناحية الأحكام، فإنَّا نلاحظ عليه أنه يفيض في ذكر مسائل الخلاف ما تعلق منها بالآيات عن قُرْب، وما تعلق بها عن بُعْد، مع بيان أدلة كل قول.
* إنصاف القرطبى وعدم تعصبه:
وخير ما في الرجل أنه لا يتعصب لمذهبه المالكى، بل يمشى مع الدليل حتى يصل إلى ما يرى أنه الصواب أيًا كان قائله.
فمثلًا عندما تعرَّض لقوله تعالى في الآية [43] من سورة البقرة: {وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة واركعوا مَعَ الراكعين} .. نجده عند المسألة السادسة عشرة من مسائل هذه الآية يعرض لإمامة الصغير، ويذكر أقوال مَن يجيزها ومَن يمنعها، ويذكر أن من المانعين لها جملة: مالكًا، والثورى، وأصحاب الرأى، ولكنَّا نجده يخالف إمامه لما ظهر له من الدليل على جوازها، وذلك حين يقول:"قلت: إمامة الصغير جائزة إذا كان قارئًا، ثبت في صحيح البخارى عن عمرو بن سلمة قال: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الناس فنسألهم ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله.. أوحى إليه كذا.. أوحى إليه كذا، فكنت أحفظ هذا الكلام، فكأنما يقر في صدرى، وكانت العرب تلوم بإسلامها فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبى صادق، فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبى قومى بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم واللهِ من عند نبى الله حقًا.. قال:"صلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا"، فنظروا فلم يكن أحد أكثر منى قرآنًا، لما كنت أتلقى من الركبان. فقدَّمونى بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت على بُردة إذا سجدتُ تقلَّصت عنى، فقالت امرأة من الحى: ألا تغطون عنا إست قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لى قميصًا، فما فرحتُ بشىء فرحى بذلك القميص".