الآية يذكر خلاف العلماء في حكم مَن أكل في نهار رمضان ناسيًا.. فيذكر عن مالك أنه يفطر وعليه القضاء، ولكنه لا يرضى ذلك الحكم فيقول:"وعند غير مالك ليس بمفطر كل مَن أكل ناسيًا لصومه. قلت: وهو الصحيح، وبه قال الجمهور إن مَن أكل أو شرب ناسيًا فلا قضاء عليه، وإن صومه تام، لحديث أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا أكل الصائم ناسيًا، أو شرب ناسيًا فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه، ولا قضاء عليه.."."
ومثلًا عندما تعرَّض لقوله تعالى في الآية [236] من سورة البقرة: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ مَتَاعًا بالمعروف حَقًّا عَلَى المحسنين} ، نجده يذكر في المسألة السادسة من مسائل هذه الآية اختلاف العلماء في حكم المتعة، فيذكر مَن يقول بوجوبها، ويذكر مَن يقول بندبها، ويعد في ضمن القائلين بالندب مالكًا رحمه الله، ثم يقول:"تمسك أهل القول الأول بمقتضى الأمر، وتمسك أهل القول الثانى بقوله تعالى: {حَقًّا عَلَى المحسنين} ، و {عَلَى المتقين} ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين. والقول الأول أولى، لأن عمومات الأمر بالامتناع في قوله: {مَتِّعُوهُنَّ} ، وإضافة الإمتاع إليهم بـ"لام التمليك"فى قوله: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ} أظهر في الوجوب منه في الندب. وقوله: {عَلَى المتقين} تأكيد لإيجابها، لأن كل واحد يجب عليه أن يتقى الله في الإشراك به ومعاصيه، وقد قال تعالى في القرآن في الآية [2] من سورة البقرة: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} ."
* موقفه من حملات ابن العربى على مخالفيه:
كذلك نجد القرطبى - رحمه الله - كثيرًا ما يدفعه الإنصاف إلى أن يقف موقف الدفاع عمن يهاجمهم ابن العربى من المخالفين، مع توجيه اللَّوم إليه أحيانًا، على ما يصدر منه من عبارات قاسية في حق علماء المسلمين، الذاهبين إلى ما لم يذهب إليه.
فمثلًا عندما تعرَّض لقوله تعالى في الآية [3] من سورة النساء: {ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ} .. نراه يروى عن الشافعى أنه فسَّرها على معنى: الا تكثر عيالكم، ثم يقول:"قال الثعلبى: وما قال هذا غيره وإنما يقال: أعال يعيل إذا كثر عياله، وزعم ابن العربى: أن عال على سبعة معان لا ثامن لها، يقال عال: مال، الثانى: زاد، الثالث: جار."