ومن أيامها والإعلام الأمريكي والسياسة الأمريكية لا تنطق إلا باسم"بن لادن"، وكأن ذلك الرجل الذي قضى صباه وشبابه مقاولا لبناء الطرق، ثم عاش ذلك النوع من الحياة التي يعيشها أقرانه من أبناء الغنى السريع في المملكة العربية السعودية، ثم حملته المصادفات إلى أفغانستان في ظروف شديدة الالتباس ـ قد حلت فيه فجأة روح"هولاكو"و"هتلر"و"جنكيز خان"و"ستالين"وفي الوقت نفسه!
ومن أكبر الأخطاء ـ ولعله خطأ متعمد ـ أن يقع الخلط بين الاستنكار العربي للسياسة الأمريكية، وبين ترجمة هذا الاستنكار على أنه الإعجاب ببن لادن. وربما ساعد على الترويج لهذا الخطأ المتعمد، أن الأمة العربية لا تجد في هذه اللحظة قيادة معترفًا بها تتوافر لها المصداقية ولا فكرة جامعة لها طاقة وحيوية أن تلهم وتحرك!
وهكذا فإنه إذا كان ظهور بن لادن ـ إعلاميًا قد بلغ هذه الدرجة ـ فدلالته الحقيقية أن الأزمة العربية وصلت إلى القاع، لأن الرجل في جميع أحواله لا يقدر على دور"البطل"ولا يصلح لدور"الشهيد"!
زدت على ذلك أنني في كل ما جرى فوق"نيويورك"و"واشنطن"، أستشعر ما تعرض له الشعب الأمريكي، خصوصًا أنه جاء قاسيًا ومدمرا، لكنني أعرف أنه مثل كل الأحزان الإنسانية سوف يبهت من الذاكرة الحية مع الأسابيع والشهور والسنين، لكن قلقي الكبير"الآن"وخوفي الحقيقي على شيء آخر، أخشى أنه سوف يظل معنا طويلًا ـ في الواقع الحي وليس في الذكريات الحزينة ـ وأعني بذلك"فكرة الطيران"ذاتها. فقد كان القرن العشرون"قرن الطيران"بحق، وكانت"الطائرة"التي ربطت الدنيا هي نجم العصر ومحركه ودافعه ووسيلته للتقريب ما بين القارات والأمم والثقافات، وخشيتي الآن هي على"فكرة الطيران"، لأن الفكرة تعرضت لعدوان صارخ يتعدى ما تعرضت له نيويورك وواشنطن ويتعداه بكثير.
أضفت أنني أعرف"ولا أوافق"أنه حدث من قبل أن"عربا"و"غير عرب"خطفوا طائرات، واحتجزوا من ركابها رهائن في مقابل طلبات أعلنوها، وكان ذلك خطرًا على الطيران، لكن الخطر كان محصورًا.