الصفحة 3 من 206

فالاجتهاد هو: الرجوع إلى المسلمات لابتكار حلول للحوادث. فيقتضي وجود مسلمات؛ وهي: أصول التشريع، ووجود حوادث؛ وهي: تطور الزمان، ووجود حلول؛ وهي: الأحكام الشرعية المتعلقة بالمتغيرات، ووجود مبتكر الحل عن طريق إضافة المسلمة إلى الحادثة؛ وهو: المجتهد. ومن هنا استحال انقطاع الاجتهاد - عقلا ونقلا- في أي زمان وأي مكان!.

ولذلك فإني أرى أن الاجتهاد لم ينقطع قط في تاريخ الفقه الإسلامي، وأنه في كل زمان زمان وجد مجتهدون، فقهاء متبحرون يعملون القواعد الشرعية في الحوادث الوقتية لتبيين حكم الله تعالى فيها، وأن الحملة التي أقيمت في بداية القرن العشرين - الميلادي - إنما كانت حملة استشراقية استعمارية أريد بها خلق جيل يتنكر لجميع المباديء والأسس التي بني عليها الفقه الإسلامي، والحط من نظرة التعظيم والتقديس التي كان المجتمع يراها في علمائه ورجالات الدين. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى فقد اتسم تطور المجتمعات الإسلامية، بل والمجتمعات العالمية ككل، من القرن الثامن الهجري إلى القرن الثالث عشر بالبطء، الأمر الذي تسبب في بطء التفكير، وعدم تجديد الوسائل العلمية القديمة، لعدم الاحتياج إلى ذلك، بحيث - ونظرا لركود المجتمعات - تباطأ الفكر الاجتهادي في الفقه الإسلامي. ونظرا لدخول الاستعمار الغربي على المجتمعات الإسلامية، وارتفاع الحواجز الحضارية بذلك بين الشرق والغرب في وقت كان الغرب في أوج منحنى الازدهار والشرق بالعكس، فقد فاض فيضان الحضارة الغربية بكل متغيراتها وتطورها وفلسفتها وقانونها إثر الثورات الصناعية والتحررية بأوروبا بعد القرن العاشر الهجري - السادس عشر الميلادي - على المجتمعات الإسلامية، الأمر الذي شكل ما يصح أن يسمى:"الصدمة الحضارية"، والتي احتاجت إلى قفزة نوعية في الفقه الإسلامي وسائل ومقدرة على الاستنباط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت