138 ــــ وأعود مرة أخرى إلى الشيخ عبد الوهاب خلاف رحمه الله، فأنقل قوله: «الذين لهم حق الاجتهاد بالرأي هم «الجماعة التشريعية» التي توافرت في كل واحد منهم المؤهلات التي قررها علماء الشرع الإسلامي، فلا يسوغ الاجتهاد بالرأي لفرد مهما أوتي من المواهب واستكمل من المؤهلات، لأن التاريخ أثبت أن الفوضى التشريعية في الفقه الإسلامي كان من أكبر أسبابها الاجتهاد الفردي. ولا يسوغ الاجتهاد لجماعة توافرت في كل فرد من أفرادها شرائط الاجتهاد ومؤهلاته، إلا بالطرق والوسائل التي مهَّدها الشرع الإسلامي للاجتهاد بالرأي والاستنباط فيما لا نص فيه».
«فباجتهاد الجماعة التشريعية المتوافرة في أفرادها شرائط الاجتهاد، تُنْفَى الفوضى التشريعية وتشعب الاختلافات. وباستخدام الطرق والوسائل التي مهَّدها الشرع الإسلامي للاجتهاد بالرأي يؤمن الشطط، ويسار على سنن الشارع في تشريعه وتقنينه.
139 ــــ ومن الواضح أن قول الشيخ عبد الوهاب خلاف إنه لا يسوغ الاجتهاد بالرأي لفرد، معناه أنه لا يسوغ العمل باجتهاد فرد. أما الاجتهاد النظري فإنه لا يمكن لأحد المنع منه. فمن جهة لا يمكن لطالب العلم أن يصير مجتهدًا إلا بعد أن يمارس الاجتهاد مرات عديدة، يخطىء في بعضها ويصيب في بعض آخر، كما هو أمر بديهي. ومن جهة أخرى فإن من درَس مسألة وأدَّاه اجتهاده إلى حكم مُعيَّن لا يمكن لكائن منْ كان أن يحوَّل فكره عما اقتنع به. نعم، إذا تدارست المسألة هيئة محترمة، جميع أفرادها ممن توفرت فيهم شروط الاجتهاد، واتفقت على رأي مغاير، فإذ ذاك ينبغي له أن يتخلى عن رأيه احترامًا لرأي الجماعة.