ورد في كلام المرحوم الطاهر ابن عاشور السابق، عن المجتمع العلمي ــــ ولعل الأولى تسميته بالمجمع الفقهي الذي اقترحه، أنه يحضره أكبر العلماء بالعلوم الشرعية في كل قطر إسلامي على اختلاف مذاهب المسلمين، وكذلك قال الشيخ الزرقاء. ــــ وهو كلام وجيه جدًا، لأسباب عديدة منها:
أ) أن شريعة الله واحدة، وما أوجب الله مشاورة أولي الأمر ــــ حسبما قدمناه ــــ إلا لتوحيد الرأي.
148 ــــ ب) إن الثقافة الإسلامية كانت طوال التاريخ الإسلامي ثقافة متكاملة بين مختلف أنحاء العالم الإسلامي مشرقه ومغربه، كما هو معروف، ولم تكن بأي حال من الأحوال ثقافة إقليمية أو محلية. ويكفي استعراض مصادر ومراجع الفقه المالكي الأساسية في المغرب، حيث ترجع إلى المدينة ومصر وبغداد والقيروان وتونس وصقلية وبجاية وتلمسان وقرطبة وغرناطة وفاس وغيرها، إلى جانب كتب التفسير والحديث والنحو واللغة والأدب وغيرها.
149 ــــ ج) إن تثبيت الاختلاف المذهبي كان من بين أسبابه ظروف محلية ووقتية خاصة. ومن بينها قلة وجود مراجع بعض المذاهب في بعض المراكز العلمية.
150 ــــ د) إن مراعاة الخلاف من بين أصول مذهب مالك ــــ كما تقدمت الإشارة إليه. وما زال كبار الفقهاء يشيرون في كتبهم إلى آراء أصحاب المذاهب الأُخرى بمنتهى الاحترام والتقدير.
151 ــــ ومن أمثلة ذلك أن الإمام شهاب الدين القرافي المالكي، صدر كتابه «الذخيرة» ــــ وهو من أمهات كتب الفقه المالكي المعتمدة ــــ بمقدمة طويلة في بيان مزايا المذهب المالكي، وعند ذكر منهجه في كتابه قال: «وقد آثرت التنبيه على مذاهب المخالفين لنا من الأئمة الثلاثة ومآخذهم في كثير من المسائل، تكميلًا للفائدة، ومزيدًا في الاطلاع. فإن الحق ليس محصورًا في جهة. فيعلم الفقيه أي المذهبين أقرب للتقوى، وأعلق بالسير الأقوى (مخطوط خ، ع، ج، 852 ص 5) .
ومع أن هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، فإن الضرورة دعت للتذكير به.