الصفحة 6 من 206

فيحتاج الفاعل فيه (المجتهد) إلى المطابقة بين المسَلَّم والحادث الذين يمثلان الموضوع، لينفعل بهما نحو النتيجة. فمن حيث المسلَّم وهو أصول التشريع التي اتفقت عليها الأمة؛ وهي: الكتاب والسنة، والإجماع والقياس، والاستحسان والمصالح المرسلة، وسد الذرائع. على المجتهد أن يعرفها ويتصورها حتى يدركها. وبما أن علوم الكتاب والسنة مبنية على القالب اللغوي؛ فلا مناص من التبحر في علم اللغة. ويقتضي علم الأصول المذكورة: علم ما بنيت عليه من القواعد، ومعرفة تبحر الفقهاء وثروتهم الفكرية عبر التاريخ بخصوصها، ولا مناص من الاطلاع على المذاهب الأربعة، وفتاوى قدماء المجتهدين، وفتاوى الصحابة والتابعين فمن بعدهم، والإحاطة بعلم الأصول الذي هو أداة الاجتهاد.

أما من حيث الحوادث؛ وهي النوازل والمتغيرات الوقتية؛ فلا مناص من معرفة الواقع المعيش، وفهم ماجريات الأمور وعلى أي قواعد تسير.

أما من حيث المجتهد نفسه؛ فلا شك أنه يحتاج إلى مقدرة عقلية وفطرية تؤهله لإدراك المسلم والحادث والربط بينهما، ثم اكتساب المفهوم للخروج بالحكم المبتغى من وراء ذلك.

والاجتهاد بشتى درجاته معتمد على هذه الشروط المذكورة قوة وضعفا، وإلا فلا يعدو أن يكون عبثا، واسما بلا مسمى.

ومن هنا يتضح لنا السبب في أنه لم يكد داعية للاجتهاد المطلق في العصر الحديث يدون فقهه قط، ويتحدث عن النوازل الكبرى التي تمر بها الأمة الإسلامية في هذه العصور؛ نظرا لعدم التوفر الحقيقي على الثروة المعرفية المؤهلة للاجتهاد المطلق إلا لماما.

وعند إدراك دعاة الاجتهاد لهذه النقيصة؛ قاموا بالدعوة إلى ما يسمى بالاجتهاد الجماعي، ولا شك أن الاجتهاد الجماعي على أرض الواقع لا يعدو أن يكون أمنية غير متوصل إليها، لاختلاف المشارب والمدارك، والاجتهاد يقتضي واسطة بين المسلم والحادث لا وسائط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت