وبالرغم من ذلك؛ فقد تسببت هذه الصدمة الحضارية في تحفيز عقول عدة من العلماء إلى الإبداع والابتكار، وإنتاج تراث قانوني فقهي شرعي مهم للغاية في مواكبة ماجريات العصر وتطوراته، والمناغاة بين التراث الفكري الفلسفي الإسلامي والفكر الأوروبي بما لا يتنافى مع قواعد الشريعة في كثير من الأحيان.
الاجتهاد في المغرب:
تميز المغرب الأقصا عبر التاريخ بوحدته سياسيا ومذهبيا وعقائديا منذ بزوغ شمس دولة الأدارسة، وظهور المولى إدريس الأول بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وتأسيسه للدولة المغربية عام (172 هـ) ، كما تميزت مختلف الدول المتعاقبة على المغرب باعتنائها بالعلماء، وتأسيسها لمجلس الشورى، الأمر الذي ميز المغرب بإنتاج جملة من الفقهاء المشاورين الذين مارسوا السياسة الداخلية والخارجية للدولة، فمارسوا الإسلام دينا ودنيا، مجتمعا وسياسة، سلما وحربا.
وباستثناء بدايات فترة الموحدين (542 - 669) التي دعا فيها القرار السياسي إلى إحياء الاجتهاد المطلق؛ فقد ترسخ المذهب المالكي تشريعا وتدينا، طول فترة تاريخ الدولة المغربية، ومع الاستقرار الفكري، وتنوع مهام الدولة لوجودها بين ملتقى حضارات؛ ازدهر فقه النوازل في الغرب الإسلامي، وأنتج ثراء معرفيا اجتهاديا داخل أصول الفقه المالكي.
كما استفاد الفقهاء والنوازليون من مختلف المذاهب الإسلامية؛ خاصة الشافعي والحنفي، كما أشار ابن المواق إلى ذلك في"سنن المهتدين".
وبالرغم من هذا الاستقرار والتناغم؛ فقد ظهرت مدارس تأثرت بمدارس الاجتهاد في الأندلس والمشرق، تدعو إلى عدم التقليد، وإلى الأخذ المباشر من الكتاب والسنة، واعتماد فتاوى المجتهدين.