على الخارج اللازم له، بيد أن دلالة الالتزام قد تكون واضحة، وقد تكون خفية، وقد أشارالغزالي (505هـ) إلى هذا إذ يقول: (( وإيّاك أن تستعمل في نظر العقل من الألفاظ ما يدل بطريق الالتزام، لكن اقتصر على ما يدل بطريق المطابقة والتضمن، لأن الدلالة بطريق الالتزام لا تنحصر في حدّ، إذ السقف يلزم الحائط .... ) ) [1]
وقد جاء في قوله تعالى: {وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [2] يشير البقاعي إلى دلالة الالتزام في النص القرآني ومكمن الدلالة هو في قوله (( القصد ) )إذ يقول البقاعي (( فإطلاق القصد على العزم مستقيما كان أو جائرا، إذا قلت: قصدته بمعنى أتيته أو أممته من دلالة الالتزام، وكذلك القصد بمعنى الكسر بأي وجه كان ) ) [3]
والقصد استقامة الطريق، ويقال: طريق قصد وقاصد إلى ما يريد، قصد في معيشته واقتصد، وقصد في الامر، إذا لم يجاوز فيه الحد، ورضي بالتوسط، لأنه في ذلك يقصد الأسد [4] فإطلاق البقاعي دلالة الالتزام على القصد، أيقصد السبيل إذا كان راشدا على اتباع الحق، وبيان الطريق العدل، وعلى الله بيان الطريق الجائر حتى لا يشك في شيء منها، فان الطريق المعنوية كالحسية، منها مستقيم من سلكها اهتدى، ومنها جائر من سلكه ضلّ عن الوصول، فهلك (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم) [5] فالمقصود من التعبير الاسلوبي هو بيان المقصود بالذات وبيان النافع وذلك لا يكون إلاّ عن إرادة وتوجيه [6]
وقد جاء في قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [7] ينص البقاعي على دلالة الالتزام في هذا النص القرآني، فلفظة (( تبوّأ ) )تدل على معنى اتخذ، وأصله الرجوع، فالمتبوأ: المنزل لأنه يرجع إليه المقيم فيه، فان الله سبحانه وتعالى، أنعم على بني إسرائيل بعد أن أنجاهم وأهلك عدوّهم آل فرعون وجعل لهم مكانا محمودا وهو بيت المقدس والشام، وقال تعالى (مبوأ صدق) أي فضل ذلك المنزل على غيره من المنازل، وكان المنزل لا يطيب إلاّ بالرزق
(1) المستصفى: 1/ 301.
(2) النحل:9
(3) نظم الدرر: 11/ 112
(4) . أساس البلاغة:509.
(5) . التوبة:115.
(6) . ينظر: نظم الدرر:11/ 111 - 112.
(7) . يونس:93.