وهذا ما عبّر عنه تعالى (مبوأ صدق) التي تدل على المنزل والرزق بدلالة الالتزام [1] ، إذ يقول البقاعي: (( ولما كان المنزل لا يطيب إلاّ بالرزق، وكان التعبير عنه بالمبوأ دالا على الرزق بدلالة الالتزام ) ) [2] .
وأشار البقاعي إلى دلالة الالتزام في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} [3] ان المعنى الذي يشير إليه النص القرآني، بأن السجن هو أحب إلى النبي يوسف (ع) إليه من الفاحشة، وفي هذا دلالة على أن النسوة دعونه إلى ما دعته امرأة العزيز، فالنص يدل بدلالة الالتزام على أنه لم يرد المحبة التي هي الإرادة، وإنما أراد أن ذلك أخف عليّ وأسهل، لأن السجن أقل بغضا مما يدعونني إليه [4] ويقول البقاعي (( انه أطلق المحبة على ما يضادها في هذا السياق من البغض بدلالة الالتزام، فكأنه قيل: السجن أقل بغضا مما تدعونني إليه وذلك هو ضر أحب الذي هو معناه أكثر حبّا ) ) [5] فان السجن لا يتصور حبّه عادة، وانما المعنى أنه لو كان يتصور الميل إليه، كان ميله أكثر، ولكنه لا يتصور الميل إليه، لأنه شر محض، وانه لمّا فضّل في المحبة بين شيئين: أحدهما مقطوع ببغضه، فهم قطعا أن المراد إنما هو أن بغض هذا البغض دون بغض المفضول، فعلم قطعا أن ذلك الذي يظن حبه أبغض من هذا المقطوع ببغضه [6]
ب: دلالة الإشارة
تعد دلالة الإشارة في ضمن دلالة الالتزام، وهذا ما أقرّه كل من المناطقة والأصوليون، واتفق المتكلمون والأحناف على دلالة الإشارة مصطلحا ومضمونا وتعني (( ما لم يكن السياق، لأجله لكنه يعلم بالتأمل في معنى اللفظ من غير زيادة فيه ولا نقصان ) ) [7] أو هي دلالة اللفظ على حكم غير مقصود بالسوق، ولكنه لازم للحكم الذي سيق الكلام لأجله، وليس بظاهر من كل وجه [8] .
(1) . ينظر: مجمع البيان:5/ 132.
(2) . نظم الدرر:9/ 189.
(3) . يوسف: 33
(4) . ينظر: مجمع البيان:5/ 231.
(5) . نظم الدرر:10/ 75.
(6) .ينظر: نظم الدرر:10/ 75 - 76.
(7) . أصول السرخسي:1/ 236.
(8) . ينظر: ميزان الأصول:1/ 567 والمستصفى:2/ 188 وأسباب اختلاف الفقهاء:159 وأصول الفقه (بدران) :182