وتعدّ دلالات إشارات النصوص في القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة هي من الدلالات الالتزامية المنطقية اذ هي متفاوتة في إدراكها وفهمها ظهورا وخفاء - وقد مرّ سابقا - إذ يقول السرخسي (( الإشارات من العبارة بمنزلة الكناية والتعريض من التصريح أو بمنزلة المشكل من الواضح ) ) [1] فمنها ما يكفي للمتكلم أدنى تأمل لإدراك مدلولها، ومنها ما يحتاج إلى جهد أكثر من ذلك، لذلك يتطلب إدراكها وفهمها مزيدا من الفهم لألفاظ الشريعة الإسلامية، ومدلولات الألفاظ العربية. وما جاء في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ... } [2] إذ يبين الله سبحانه وتعالى في النص القرآني أن حظ الذكر من النصيب هو حظ الأنثيين، أي أن الذكر له ثلثان وثلث للأنثى وهذا واضح بطريق دلالة العبارة، إذ يشير البقاعي: (( ولما بان سهم الذكر مع الأنثى بعبارة النص، وأشعر ذلك بأنّ لهن إرثًا في الجملة وعند الاجتماع مع الذكر ) ) [3] ، أمّا ما أشار إليه بطريق دلالة الإشارة، فقد فُهم من إشارة النص أنّ حكم الأنثيين إذ لم يكن معهنّ ذكر هو الثلثان، لأنّ حكم الأنثى مع الذكر هو الثلث إذا كان اثنتين فكل واحدة الثلث، إذ يقول البقاعي: (( وفُهم بحسب إشارة النص ـوهي ما ثبت بنظمه، لكنه غير مقصود، ولا سيق له النص ـ حكم الأنثيين إذا لم يكن معهن ذكر، وهو أن لهما الثلثين، وكان ذلك أيضًا مفهمًا، لأنّ الواحدة إذا كان لها مع الأخ الثلث، كان لها ذلك مع الأخت ) ) [4]
وجاء في قوله تعالى: {إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [5] يشير البقاعي إلى دلالة إشارة النص في النص القرآني ومكمن هذه الدلالة في قوله تعالى: (( الشرذمة ) )فالشرذمة: هي طائفة أو قطعة من الناس، وهم أصحاب النبي موسى (ع) [6] ، ويصرّح البقاعي قائلًا: (( إنّ التعبير بالشرذمة إنّما هو للإشارة إلى تفرق القلوب ) ) [7] فالبقاعي يشير إلى أنّ الشرذمة يدلّ بدلالة الإشارة إلى تفوق القلوب، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فيه إشارة إلى أنّهم مع ضعفهم بقلة العدد آيسون من إسعاف بمدد وليس لهم أهبة لقتال لعدم العدة؛ لأنّم لم يكونوا قط في عداد من يقاتل [8] فكان التعبير بلفظة
(1) .أصول السرخسي: 1/ 236 وينظر: البحث الدلالي عند السمرقندي في كتابه ميزان الأصول:37.
(2) . النساء: 11.
(3) . نظم الدرر: 5/ 204.
(4) . نظم الدرر: 5/ 204ـ205.
(5) . الشعراء: 54.
(6) . المعجم المفصل في تفسير غريب القرآن: 263.
(7) . نظم الدرر: 14/ 38.
(8) . نظم الدرر: 14/ 39.