(( الشرذمة ) )إشارة إلى أنّهم مع قلة العدد ليسوا على قلب واحد.
وجاء في قوله تعالى في سورة يونس: { ... فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [1] ويصرّح البقاعي قائلًا: (( وفي هذا الوصف ـ مع ما فيه من الترهيب ـ إشارة إلى الدلالة على الإبداع والإعادة ) ) [2] فالنص القرآني فيه إشارة إلى قدرة الله جلّ وعلا على الإبداء بالخلق والإعادة فسبحان الذي أوجدنا من عدم كما أنتم به مقرون، فثبت قطعًا أنّه قادر على إعادتنا بعد هذا الإعدام، فاحذروه لتعبدوه كما أعبده فإنّه قد أمرني بذلك. [3]
ج: دلالة الاقتضاء:
الاقتضاء نوع من أنواع الدلالات التي أقرّها كل من المتكلمين والأحناف، فدلالة الاقتضاء هي: (( عبارة عن زيادة على المنصوص عليه يشترط تقديمه، ليصير المنظوم مفيدًا أو موجبًا للحكم، وبدونه لا يمكن إعمال المنظوم ) ) [4] أو هي دلالة الكلام على المسكوت عنه، يتوقف صدق الكلام على تقديره أو لا يستقيم معناه إلاّ به، أي أنّ صيغة النص لا تدلّ عليه، وإنّما صحة الكلام أو استقامته عقلًا أو شرعًا تقتضيه وتتوقف عليه، فالاقتضاء معناه الاستدعاء والطلب. [5]
أمّا فيما يخص كتاب (( نظم الدرر ) )فإنّي لم أجد تعريفًا يخصّ دلالة الاقتضاء، إنّما سار على نهج واحد في الدلالات ـ كما مرّ سابقًا ـ ففي دلالة الإشارة والاقتضاء وغيرها من الدلالات يكتفي بالأمثلة من دون الإشارة إلى تعريف، ولعل من الأسباب التي. تجعل البقاعي لم يتطرق إلى تعريف الدلالات، هي إنّ البقاعي يعدّ أحد الأصوليين المتأخرين ممّا يعتقد أنّ مصطلحات الأصول قد ثبتت واستقرت في البحث الأصولي.
وقد جاء في قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [6] وفي النص القرآني محذوف يتوقف عليه صدق الكلام؛ لأنّ القرية جماد وهي إن سئلت لا تجيب وكذلك قافلة الحمير؛ لأنّ في النص القرآني أمرًا بالسؤال للقرية، ولا يصح الأمر
(1) . يونس: 104.
(2) . نظم الدرر: 9/ 216.
(3) . للمزيد من دلالة الإشارة ينظر نظم الدرر: 5/ 65، 7/ 360ـ437، 8/ 133، 9/ 164، 13/ 296ـ309، 13/ 18، 16/ 383، 18/ 358، 19/ 65.
(4) . أصول السرخسي: 1/ 348.
(5) . ينظر: أصول الفقه (بدران) : 187 وأسباب اختلاف الفقهاء: 176.
(6) . يوسف: 83.