الصفحة 117 من 235

الحقيقة والمجاز.

قد كثر حديث القدماء في موضوع الحقيقة والمجاز، ولهذا الموضوع أهمية كبرى في اللغة العربية ولا سيما في التطور الدلالي في ألفاظها، وقد اختلف العلماء في ظاهرة الحقيقة والمجاز، وتناولها كل من اللغويين والبلاغيين والأصوليين كل من وجهة نظره من أجل الوقوف على المعنى، فما يهم اللغوي منه انتقال الألفاظ من الحقيقة إلى المجاز وما ينتج عن هذا الانتقال من ظواهر دلالية، وقد درس البلاغي الحقيقة والمجاز، ليكشف العلاقة الرابطة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي البعيد، ليلتمس منها الأديب عناصر الجمال الفني. أمّا الأصوليون فقد (( كان غرضهم الوصول إلى تأصيل الاستعمال الحقيقي والمجازي للألفاظ في تراكيبها المختلفة الاستنباط الأحكام الشرعية منها، والنظر في مدى ثبوت الحقائق الثلاث اللغوية والعرفية والشرعية ) ) [1]

إن الأصوليين لم يتناولوا قضية الحقيقة والمجاز من ناحية الوضع الأول للغة، وإنما نظروا إليها من حيث الاستعمال واستقرار الدلالة [2] لأن (( ظاهر استعمال أهل اللغة للفظة في شيء دلالة على أنها حقيقة فيه إلاّ أن ينقلها ناقل عن هذا الظاهر ) ) [3] . وبنى الأصوليون أحكامهم الفقهية في حقيقة الكلمة ومجازها على استخدام الكلمة في السياق، وتحديد مدلولها من حيث حقيقة المعنى ومجازه. ومن هذه النظرة الخاصة التي نظر إليها العلماء سواء أكانوا من اللغويين أم من البلاغيين أم من الأصوليين لموضوع الحقيقة والمجاز، وما يشكل من أهمية كبيرة في تطور الدلالة؛ لأن قضية الحقيقة والمجاز مسألة نسبية متغيرة، والسبب في ذلك ان كلا من الحقيقة والمجاز كثيرا ما يتبادلان هذه الصفة، فما كان حقيقة قد يصبح مجازا وما كان مجازا قد يصبح حقيقة والسبب هو الاستعمال العرفي اللغوي [4] ، ومن هذه النظرة ظهر الخلاف واضحا في بعض الأحكام الشرعية عند الأصوليين ومن أجل ذلك خصصت دراستي لموضوع الحقيقة والمجاز كلا منهما على انفراد

الحقيقة:

(1) .منهج البحث اللغوي بين التراث وعلم اللغة الحديث: 130 - 131.

(2) .ينظر: التصور اللغوي عند الاصوليين:103 والدلالة القرآنية في جهود الشريف المرتضى:33.

(3) .الذريعة في أصول الشريعة: 1/ 13.

(4) .ينظر: الترادف في اللغة: 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت