حقيقة، فالإيمان حقيقة، وحيث أريد الترهيب من إضاعة الصلاة فهو مجاز )) [1] وهذا النص القرآني يدل دلالة واضحة إلى ميل البقاعي إلى المذهب الشافعي، فقصد الإيمان حقيقة فيما يحمله اللفظ، والترهيب من إضاعة الصلاة مجازًا. وكذلك ما جاء في قوله تعالى: { ... فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ... } [2] إذ يقول البقاعي: (( وعبر بذلك ترغيبًا في السلام والإحسان في الإكرام، ولتصلح العبارة لماّ إذا لم يكن فيها أحد فيقال حينئذٍ: (( السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) )فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز )) [3] .
وقد اختلف المتأولون في البيوت، وقيل: أراد بها المساجد والمعنى سلّموا على من فيها من صنفكم، فان لم يكن في المساجد أحد، فالسلام عليكم يريد الملائكة، ثمّ يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ولكن القول في البيوت هو الصحيح ولا دليل على التخصيص، وأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم كان للغير أو لنفسه [4] ولكن المراد بالسلام على أهلها أبلغ وجه، لأنّه أراد تحية عليه، فكأنّه سلم على نفسه، أمّا من جهة المجاز فالمراد بالبيوت المساجد والسلام على الأنفس الطاهرة. [5] .
وجاء في قوله تعالى: { ... مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [6] إذ يقول البقاعي: (( أي منهم بدوامه على الإيمان، إن كان آمن قبل ذلك، ودخوله في الإيمان إن كان كافرًا فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز ) ) [7] ويبين الطبري: من آمن منهم بالله واليوم الآخر، فترك منهم، فليس المعنى الذي يظنّه من انتقال من دين إلى دين، كانتقال اليهود والنصارى إلى الإيمان، وإن قيل: إنّ الذين قد عنوا بذلك من كان من أهل الكتاب على إيمانه [8] والبقاعي أشار إلى استخدام اللفظ (( آمن ) )في حقيقته في المؤمن الذي من قبل قوله تعالى، وكذلك خصّ الكافر مجازًا وهو يسير على نهج الإمام الشافعي. [9]
(1) . نظم الدرر: 6/ 28.
(2) . النور: 6
(3) . نظم الدرر: 13/ 319.
(4) . ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 12/ 318.
(5) . ينظر: روح المعاني: 18/ 223.
(6) . البقرة: 62.
(7) . نظم الدرر: 1/ 457.
(8) . ينظر: جامع البيان: 2/ 116.
(9) .للمزيد من الأمثلة ينظر: نظم الدرر:1/ 123، 5/ 286ـ510، 7/ 168، 16/ 208.