وذهب الحنفية وجماعة من أصحاب الشافعي وجمهور المتكلمين إلى امتناع ذلك، لعدم وروده في اللغة، إذ لم يرد مثلًا استعمال لفظ الإنسان في الآدمي والسبع، ولفظ الحمار في الحيوان المعروف والإنسان البليد؛ لأن استعمال اللفظ في حقيقته ينص عدم القرينة الصارفة له، واستعمال في مجازه يوجبها وهما متنافيان؛ لأنّ استعمال اللفظ في الحقيقة يكون مستقرًا في موضوعه مستعملًا فيه، والمجاز ما يكون متجاوزًا عن موضوعه مستعملًا في غيره، والشيء الواحد في حالة واحدة لا يتصور أن يكون مستقرًا في موضوعه ومتجاوزًا عنه [1] .أما البقاعي فقد ذهب مذهب الإمام الشافعي في جواز استخدام اللفظ في مدلوله الحقيقي والمجازي معًا، إلاّ أنّي لم أجد عبارة صريحة للبقاعي يُشير فيها إلى هذا الجانب، إنّما اكتفى بإيراد أمثلة منثورة وقليلة في كتابه الأحكام، وقد أورد في كلامه على قوله تعالى: {وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [2] وأشار البقاعي إلى معنى قوله تعالى بقوله: (( إنّ هذه الأدلة لا تحتاج مع الحس إلى كبير عمل بالقلب غير الانقياد إلى الحق وترك العناد والجهل، فهو من سماع الأذن، وما ينشأ عنه من الإجابة، استعمالًا للشيء في حقيقته ومجازه، ولعله لم يختمها بـ (( يبصرون ) )؛ لئلا يظن أن ذلك من البصيرة، فيظن أنّه يحتاج فيها إلى كبير فكر فيفوت ما أريد من الإشارة إلى شدة الوضوح )) [3] فالمعنى: إنّ الله سبحانه وتعالى ينزل من أمره ما يريده، فيحي به أجساد العباد بعد موتها، كما أحيا أجساد النبات بالماء بعد موتها، وفي هذا النص استعمال للفظ في حقيقته ومجازه، أي إن الله سبحانه وتعالى ينزل من السماء ماءً فأنبت في الأرض من الزرع والأشجار وهي كانت أرضًا قفراء ميتة. هذه حقيقة اللفظ، أما في مجازه فإنّ حكمة الباري عزّ وجلّ إحياء ما يشاء من عبادة أو بعبارة أخرى يحيي الموتى بعد فناء العظام. [4] .
وقد أورد البقاعي أيضًا استعمالًا للفظ في حقيقته ومجازه في قوله تعالى: { ... وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [5] ويصرح البقاعي قائلًا: (( الآية من أدلة إمامنا الشافعي على استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، فحيث قصد التحذير من الكفر
(1) . ينظر: أصول التشريع الإسلامي: 224، وأصول الأحكام وطرق الاستنباط: 230.
(2) . النحل: 65.
(3) . نظم الدرر: 11/ 192.
(4) . ينظر: جامع البيان: 14/ 130، ونظم الدرر: 11/ 192.
(5) . المائدة: 5