النهي
يعدّ النهي من أنواع الطلب، والنهي لفظ يطلب به الكفّ عن الفعل على سبيل الاستعلاء وصيغته (( لا تفعل ) )فهو مقابل الأمر؛ (( لأنّ الأمر والنهي مشتركان في الدلالة على الطلب، إلاّ أن الأمر يدلّ على طلب الوجود والنهي على طلب العدم، فمتعلق أحدهما الوجود والآخر العدم، ولا يدلان على الدوام والتكرار، ولكنهما مختلفان عقلًا مع وحدة المتعلق، فإن الأمر إذا تعلق بالطبيعة يكون امتثاله بتحقيق فردٍ ما، ضرورة وجود الطبيعة بوجوده، وعصيانه بترك جميع الأفراد، وأمّا النهي فإذا تعلق بها من غير قيد، يكون امتثاله بترك الطبيعة وعصيانه بإتيان فرد ما ) ) [1] .
إن كلًا من الأمر والنهي متعاكسان عقلًا، وأن كان متعلقهما طلب وجود الطبيعة وعدمها [2] .وبحسب نظرة العقل أن الأمر والنهي مختلفان بحسب الذات والمبادئ والأحكام، فلأن الأمر هو البحث نحو وجود الطبيعة، فهو طلب وحث وإغراء، والنهي هو الزجر والإزعاج عن الوجود أو الطبيعة.
لقد اختلف الأصوليون في دلالة النهي المجردة من القرائن كما اختلفوا في صيغة (( افعل ) )، فقد ذهب الجمهور إلى أنه يدلّ على التحريم، ولا يدل على غير التحريم إلا بالقرينة، والسياق الذي يدلّ على غير التحريم، وذهب قسم آخر من الأصوليين إلى أن النهي يدلّ على كراهية المنهي، ولا يدل على تحريمه إلا بالسياق، أمّا القسم الثالث من الأصوليين فقد ذهبوا إلى أنه مشترك بين التحريم والكراهية ولا يدل على واحد منهما إلاّ بالقرينة. [3]
ولو رجعنا قليلًا إلى ما بان من اختلاف بين الطوائف الأصولية حول صيغة (( لا تفعل ) )هل تدل على التحريم أو الكراهية أو أنها مشترك بين الاثنين، فالقرائن في هذه الصيغة هي التي تلعب دورًا لبيان الغرض الأساسي لهذه الصيغة في أي نص
(1) . لمحات الأصول: 207.
(2) . ينظر: كفاية الأصول: 182.
(3) . ينظر: أصول الفقه (( بدران ) ): 132، وأصول الفقه الإسلامي: 398 - 399.