الذكر
قد يظن ظانٌّ أن المعاني تبعٌ للألفاظ حيث رأي سهام المعاني تخرق سمعه بعد قرع الألفاظ هدف أذنه منكبا على معرفة تغير المعنى مع بقاء الألفاظ في أماكنها حتى يعرض لها تقديم أو تأخير أو زيادة أو حذف أو نحو ذلك ليصبح بذلك المعنى المطلوب ولو تحقق ذلك لقضي بأنّ الألفاظ هي التابعة وأن المعاني هي المتبوعة [1] .
إذْ تعددت أساليب اللغة العربية من تقديم وتأخير وذكر وحذف وغيرها من الأساليب، وهذه تعدّ ثروة واسعة للغة العربية في ثرائها، وأسلوب الذكر والحذف من الأساليب التي تناولها علماء اللغة العربية والأصوليون في القرآن الكريم والنصوص الأدبية؛ لبيان المعنى المطلوب من زيادة في اللفظ ونقصان فيه، فالذكر: هو وجود كلمة على جهة التذكير في المعنى الذي يدلّ عليه، وقد وقف البقاعي في كتابه نظم الدرر على نصوص كثيرة في هذا الجانب،، وقد خرّج أسلوب الذكر إلى أغراض دلالية كثيرة منها:
1 -الذكر للاعتناء
وقد ورد هذا الغرض في قوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [2] ولمّا كانت النفقة من أعظم دعائم الجهاد، وكان العيش في أول الإسلام ضيقًا والمال قليلًا، فكان ذلك موجبًا لكل أحد أن يتمسك بما في يده ظنّا أن في التمسك به النجاة وفي إنفاقه الهلاك، ولكن جاء على خلاف غرض النفس نظّم به تعالى ما يجيء على خلاف مدرك الحس في الأنفاق الذي يحصل به الزكاة والنماء، وأيضًا لما أسس تعالى حكم الجهاد الذي هو أشق الأعمال على النفس، نظم به أمر الجود والإنفاق وهو اشق منه على النفس [3] ؛ لأنّ الجهاد
(1) . البرهان الكاشف: 302.
(2) . البقرة: 195.
(3) . ينظر: نظم الدرر: 3/ 119.