الصفحة 13 من 87

المقدمة السابعة: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الأحاديث المتواترة بأن هناك طائفة ظاهرة على الحق تقاتل عليه لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى يقاتل أخرهم الدجال، فمن ذلك ما رواه مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك] ، وهذا الإخبار متضمنٌ لأمرين:

الأول: هو التصديق الجازم بصدق هذا الخبر وأنه سيكون لا محالة وأن هذه الطائفة تسلك طريق الحق وسبيل الهدى على بصيرة به، وأنها لم تزل باقية إلى الأمد الذي ذكرته الأحاديث، وأن من أهم صفاتها البارزة هو قتالها لأعداء الله تعالى، قال العلامة علي القاري -رحمه الله- في شرحه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: [لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة] رواه مسلم، قال: [والمعنى لا يخلو وجه الأرض من الجهاد، إن لم يكن في ناحية يكون في ناحية أخرى حتى تقوم الساعة أي يقرب قيامها] (مرقاة المفاتيح:11/ 441) .

والثاني: أن المقصود بهذا الإخبار ليس مجرد التصديق، وإنما الحث على الكينونة في هذه الطائفة والبحث عنها ومناصرتها ليجمع المرء المسلم بين التصديق بالخبر والالتزام بالأمر، لأن المسلم مأمورٌ بالتزام الحق ومعاضدة أهله، بل جعل بعض العلماء صيغة أحاديث الطائفة المنصور صيغة خبر وحقيقتها الأمر كما قال العلامة علي القاري -رحمه الله-: [وهو لا ينافي أن يكون خبرًا معناه الأمر كقوله تعالى:"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"فإنا مأمورون وجوبًا أن نحفظ القرآن بالقراءات المتواترة على سبيل الكفاية] (مرقاة المفاتيح: 11/ 441) .

ونظير هذا في كتاب الله تعالى قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} المائدة54، قال شيخ الإسلام: [فإنه ما ارتد عن الإسلام طائفة إلا أتى الله بقوم يحبهم يجاهدون عنه وهم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة] (مجموع الفتاوى: 18/ 300) ، وقال أيضًا رحمه الله: [هذه الآية تدل على أنه لا يرتد أحد عن الدين إلى يوم القيامة إلا أقام الله قوما يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون هؤلاء المرتدين، والردة قد تكون عن أصل الإسلام كالغالية من النصيرية والإسماعيلية فهؤلاء مرتدون باتفاق أهل السنة والشيعة وكالعباسية، وقد تكون الردة عن بعض الدين كحال أهل البدع الرافضة وغيرهم، والله تعالى يقيم قوما يحبهم ويحبونه ويجاهدون من ارتد عن الدين أو عن بعضه كما يقيم من يجاهد الرافضة المرتدين عن الدين أو عن بعضه في كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت