الصفحة 24 من 87

نحن لا نشك أبدًا أن ما وقع للمسلمين من تسلط أعدائهم عليهم، وتفريقهم لبلدانهم، وحرمانهم من شريعة ربهم، إنما هو بذنوبهم وبما كسبت أيديهم، ولكن كثيرًا ما يقف الموصِّفون للداء عند هذا الحد ولا يتجاوزونه فتضرب الأوهام في كل مهمه، ويخلى بين الأمة وبين تخمينها وظنونها من غير أن يُبيَّن المرض بيانًا شافيًا محددًا، فتحسب أن تلك الذنوب التي كانت سببا في حصول ما حصل مقصورة على المعاصي المعروفة كالربا والزنا والسفور والخمور والغناء ونحو ذلك، ولا يكاد يخطر ببالها أن من أعظم وأهم الذنوب التي ساقتهم إلى هذا الواقع المرير هو تركهم الجهاد في سبيل الله تعالى، بل ولا يستشعر الكثيرون أن ترك الجهاد هو معصية تجر الويلات في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا فتجد كثيرا ممن يسعى لوصف الدواء لإخراج أمة الإسلام من محنتها يحوم حول ذكر الجهاد حومًا ويتفادى التصريح بتوصيفه كدواء رباني وشفاء نبوي نصت عليه الآيات القرآنية والسنن النبوية.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التوبة38 - 39) .

قال الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله في هذه الآية:[فيها مسألتان: المسألة الأولى: هذا تهديد شديد، ووعيد مؤكد، في ترك النفير: ومن محققات مسائل الأصول أن الأمر إذا ورد فليس في وروده أكثر من اقتضاء الفعل؛ فأما العقاب عند الترك فلا يؤخذ من نفس الأمر، ولا يقتضيه الاقتضاء؛ وإنما يكون العقاب بالخبر عنه، كقوله: إن لم تفعل كذا عذبتك بكذا، كما ورد في هذه الآية؛ فوجب بمقتضاها النفير للجهاد، والخروج إلى الكفار لمقابلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا.

المسألة الثانية: في نوع العذاب: قال ابن عباس: هو حبس المطر عنهم.

فإن صح ذلك فهو أعلم من أين قاله، وإلا فالعذاب الأليم هو الذي في الدنيا باستيلاء العدو على من لم يستول عليه، وبالنار في الآخرة، وزيادة على ذلك استبدال غيركم، كما قال الله سبحانه: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم) ] (أحكام القرآن 4/ 301) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت