ولا ترشيد، وما الضوابط الواردة في هذه الوثيقة والتي أعلن الموقعون عليها التزامهم بها ويدعون غيرهم من المسلمين لذلك، ما هي إلا آصارٌ وأغلال يراد منها تكبيل الجهاد وتصفيد المجاهدين ليبقى الطغاة المجرمون الذين"لا هم أقاموا الدين ولا أبقوا على الدنيا"يتنعمون بطغيانهم، ويتمادون في فسادهم وإفسادهم، وقد وجدوا لأنفسهم سياجًا"شرعيًا"من الترشيد الذي يصون عروشهم، ويدرأ عن جيوشهم، ويفسح لهم المجال في أن يفعلوا ما شاءوا وقد أمنوا تخريب"أهل الصدامات"الذين كانوا ينكدون الحياة وينغصون متعة العيش على"السلطات الحاكمة"وصدق الله إذ يقول: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة/11، 12] .
ووالله ثم والله لولا الجهاد والمجاهدون، وما سُفك من دمائهم، وتطاير من أشلائهم، وما لاقوه من البلاء والعناء، والشدة واللأواء، وما صاحب ذلك من صبر ومصابرة، لما وجد المرشِّد ولا الموقعون، فرصتهم بأن يبلِّغوا"إرشاداتهم وضوابطهم ونصائحهم"لتخرج من وسط مقابر الأحياء، وتتلقفها وسائل الإعلام، وتطير بها في الآفاق نشرًا وتحليلًا حتى يسمع بها القاصي والداني.
تلك (المقابرالجماعية) التي سُدت أبواب الولوج والخروج على أصحابها السنوات الطوال، والتي وضع كثير منهم في توابيت من الغرف الصماء، وقطعت صلاتهم بالحياة والأحياء، ها هي اليوم تنفذ من خلالها كلمات"التوجيه"ووثائق"الترشيد"كوسيلة جديدة لتخفيف وطأة المجاهدين بعد أن شعر فرعون وجنده بالخطر الذي بدأ يداهم ملكهم وعروشهم، وأدركوا أن سياسة البطش والتنكيل والتقتيل لا تجدي نفعًا ولا تحدث ردعًا فقذفوا لنا من وسط مقابرهم الجماعية بهذه الوثيقة.
فلو لم يكن من مكاسب المجاهدين الذين تصفهم الوثيقة بأنهم"لا هم أقاموا الدين"إلا التوسعة التي حصلت لأسرى المسلمين، لكفى، فكيف والأمر أكبر من ذلك بكثير، وجاءت نتائج جهادهم وصبرهم -بفضل الله- أعظم وأجل مما يرسمه خيال كل متخيل، وقد نطق بهذه الحقيقة أعداؤهم - وهم مرغمون كارهون- قبل غيرهم، ولا يغيب ذلك إلا عن تائه لا يفقه من معاني"إقامة الدين"شيئًا، أو جاحد معاند يطمر الحقائق ويلبس على الناس أمر دينهم.