وليس هذا الموطن بمحل بيان وحصر ما"أقامه"المجاهدون من دين الله، وأحيوه مصداقا لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال/24] كما قال بعض السلف: [للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم.] (تفسير الطبري: 13/ 465) .
ولكن لا بأس من ذكر بعض تلك الأمور العظيمة من دين الله تعالى التي"أقاموها"وأعادوها حية غضة نضرة بعد أن كاد الطغاة من أهل الشرق والغرب أن يجتثوها من قلوب الناس كما أقصوها من واقعهم إلا من رحم الله فمن ذلك:
الأول: إحياء فريضة الجهاد قولًا وعملًا، ونشرِ فقهها بين الناس، وإعلام المسلمين من جهة الشرع أولًا والواقع ثانيًا أن مخرجهم الوحيد مما هم فيه من ظلم الطغاة، والخضوع لأحكامهم، والتشرذم الواقع بينهم إنما هو بطريق الجهاد في سبيل الله.
وإيصال هذه الحقيقة للناس -ولو بصورة ناقصة- لم يكن بالأمر اليسير، بل كان دونها من البلاء والتمحيص والمحن ما لا يعلم قدره إلا الله وحده، أما اليوم وبفضل الله أولًا ثم بما أنعم به على المجاهدين من الصبر في ميدان القتال والمحاجة على حد سواء، فقد أصبحت أحكام الجهاد التي دفنت عقودًا ترجع إلى موضعها، وتأخذ حقها من البحث والتقرير، والمناظرة، والفتاوى، ولا أدل على ذلك من خروج هذه الوثيقة، لتحريف سير الجهاد العلمي والعملي بعد أن أخذ موضعه الذي كان ينبغي أن يكون عليه منذ أمد بعيد.
الثاني: فضح الطغاة المجرمين، وكشف زيوفهم للناس، وإظهارهم على حقيقتهم، وما هم عليه من العداء السافر للإسلام، والولاء المطلق للكفار من اليهود والنصارى، وإدخالهم في دائرة من يجب جهادهم تمامًا كما يجب جهاد غيرهم، وأن وطنيتهم وقوميتهم وقربهم وأسماءهم وألسنتهم لا تشفع لهم ولا تمنع من منابذتهم، فكل منصف متجرد يدرك البون الشاسع بين ما كان عليه هؤلاء الحكام المرتدون من تبجيل شعوبهم لهم، وهتافها ليلا ونهارًا ببطولاتهم وشعاراتهم، وتمجيدها لهزائمهم ونكباتهم التي كسوها ثوب"الانتصارات والفتوحات"وبين ما آل إليه أمرهم من كراهية تلك الشعوب لهم، ونقمتها عليهم، بل واستخفافها بهم، ومعرفتها بعمالتهم وخيانتهم، وتيقنها بكذبهم ودجلهم، وإدراكها عداوتهم لدين الإسلام وتنكرهم له.