الصفحة 57 من 87

هذه الذريعة وما يتبعها بعدُ من ذرائع محدثة، فأكثر أصول مسائل الجهاد التي ذكرها السلف تعد مسائل مستقرة ذات أحكامٍ ثابتة، مع أن نوازله في هذا العصر كثيرة ومعقدة بلا شك إلا أن هذا لا يعني أن السلف رضي الله عنهم لم يتعرضوا لنظائرها ويقرروا أحكام أشباهها، والأمة لم تعدم العلماء المجاهدين الراسخين في العلم، المستبصرين بما كتبه السلف والمطلعين على ما يحتاجه الواقع، وما أكثر الذين تكلموا في نوازل العصر الكبرى والصغرى وبينوا أحوالها وفصلوا أحكامها.

قال المرشِّد: [ولا يجوز لغير المؤهل أن يقود مثله في عدم الأهلية لخوض صدامات باسم الجهاد، فإن الاحتياط في أمور الدماء والأموال في غاية الوجوب]

أما كون الاحتياط في أمور الدماء والأموال في غاية الوجوب فكلامٌ لا غبار عليه، ولم يزل المجاهدون يؤكدون على هذا المعنى في أبحاثهم وفتاواهم ودروسهم، وما تحاول الوثيقة رسمه من خلال عباراتها المتكررة والتي توحي باستسهال المجاهدين مسألة سفك الدماء ونهب الأموال وأنهم يتوسعون فيها"باسم التترس"وأنهم يقتلون من يجوز قتله ومن لا يجوز من المسلمين وغيرهم، فهذه كلها افتراءات وأكاذيب اعتدنا سماعها من وسائل الإعلام الصليبي ومن يدور في فلكه ويتبع خطواته.

ولكنَّ معقد الأمر أنه لما أحيا المجاهدون بعض المسائل الشرعية المتعلقة بالجهاد علميًا وعمليًا والتي تباعد عهد الحديث عنها، وكانت في عصرنا من الغرائب التي لم يستسغها الكثيرون من المسلمين بادروا إلى إنكارها وساروعوا إلى التبرؤ منها، ونفوا أن يكون للإسلام صلة بها، وشنعوا على من يقررها وينشرها ويستخرجها من بطون كتب الأولين، ويحاول تطبيقها عمليًا، ووصموه بكل نقيصة، ورموه بمختلف النعوت من الجهل، والعجلة، والجرأة على الدماء، وتشويه صورة الإسلام، ووسائل الإعلام -التي منها يتلقى الناس أخبارهم وكثيرًا من تصوراتهم - تغذي هذا الاتجاه وتقويه وتنقب على نقير الأخطاء وقطميرها وتضخمها لترسم صورة سوداء منفرة عن الجهاد والمجاهدين وكأن الشاعر يصفهم حينما قال:

إن يعلموا الخيرَ أخفوهُ وإنْ عَلِموا ... شرًا أذاعُوا وإنْ لم يعلموا كَذَبُوا

ومثله قول الآخر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت