فلماذا انتقل المرشد مباشرة إلى"وجوب"الدعوة بالحسنى، وغفل أوتغافل عن الواجب الشرعي البديل عن الجهاد عند العجز، ألا وهو إعداد القوة لذلك، والسعي لتحصيل الاستطاعة، وهل الواجب الشرعي عند سقوط الجهاد للعجز وانتفاء كونه خيارًا شرعيًا-هو الانتقال للدعوة بالحسنى، وهل الدعوة بالحسنى هي التي يرتفع بها (العجز والاستضعاف) وتُحصَّل عن طريقها القدرة والاستطاعة؟
الجواب هو ما قاله الشيخ عبد القادر نفسه: [إذا اكتمل للمسلمين الإعداد المادي قدر الإستطاعة {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ} مع مظنة الظفر فيجب الشروع في الجهاد ولا يؤجل من أجل إكمال الإعداد الإيماني، وهذا معناه أنه عند العجز عن الجهاد يجب السعي في الإعدادين المادي والإيماني معا، فمن سعى في الإعداد الإيماني وترك المادي أو أَجَّله، فقد أثم لترك المأمور به {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} .] (العمدة: 395)
فلو كانت الأمة عاجزة مستضعفة حقًا كما تزعم وثيقة الترشيد، فمخرجها من هذا الاستضعاف ليس فقط فيما"أرشدت"إليه واقتصرت عليه من الدعوة بالحسنى، ليتم تدجين الأمة كلها لتضع الندى في موضع السيف، وتغمد سيفها -أو تكسره- أبد الآباد، وإنما مخرج الأمة من استضعافها وعدم (استطاعتها) ، بإعداد القوة المادية جنبًا إلى جنب مع تربيتها الإيمانية، فيجب عليها أن تسعى لتحصيل السلاح، وتخزينه، والتدرب عليه، وتهيئة الخبراء العسكريين وغيرهم، ليكون أبناؤها جنودًا يقارعون السلاح بالسلاح، ويردون الظلم بالحسم، ويقابلون الكفر بالغلظة والشدة، ويدفعون القوة بالقوة، وهذا هو الواجب الشرعي المتحتم الذي تجاهلته وثيقة الترشيد وحادت عنه حيدة مكشوفة لتسوق الأمة إلى رحاب الدعوة بالحسنى أمام من ينحرها ويمزق أوصالها ويدنس مقدساتها ويهتك أعراض حرائرها وينهب أموالها.
وما أجمل ما قاله الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- عند آية الإعداد: [إن الإسلام ليس نظامًا لاهوتيًا يتحقق بمجرد استقراره عقيدة في القلوب، وتنظيمًا للشعائر، ثم تنتهي مهمته! إن الإسلام منهج عملي واقعي للحياة؛ يواجه مناهج أخرى تقوم عليها سلطات وتقف وراءها قوى مادية. فلا مفر للإسلام - لإقرار منهجه الرباني - من تحطيم تلك القوى المادية، وتدمير السلطات التي تنفذ تلك المناهج الأخرى، وتقاوم المنهج الرباني] (في ظلال القرآن: 3/ 432) .